محمد صالح عبدالله يس (8-10)
للتاريخ مفارقاته القاسية فصفحاته لا تنصف دائما من يستحقون الخلود ولا تمنح الضوء بالضرورة لمن صنعوا الخير في صمت. كثيرا ما تضج رفوفه بأسماء الحكام والطغاة والخونة واللصوص والجبناء لا لعظمة ما صنعوا بل لفداحة ما اقترفوا من مآسي وانتهاكات وجرائم إذ تترك المآسي وراءها ضجيجا كثيفا فتتقدم أسماء صانعيها الى واجهة الذاكرة بينما يمضي الشرفاء والأماجد في هدوء فلا يجدون من يلتقط آثار خطاهم أو يحفظ سيرتهم من غبار النسيان
وهنا تكمن واحدة من اكثر مفارقات الكتابة التاريخية ايلاما ان الشر كثيرا ما يوثق نفسه بالدم والخراب اما الخير فيحتاج إلى من يبحث عنه بين ثنايا الصمت وكثيرون هم من ارهقوا شعوبهم وساموهم بالخسف والظلم والذل فحفظت اسمائهم في الكتب وكم من إنسان أفنى عمره في خدمة الناس ثم توارى اسمه في سراديب وغرف الاهمال والنسيان وربما لم يكن ذلك دائما مصادفة فالتاريخ الذي تكتبه السلطة يختلف عن التاريخ الذي تحفظه ذاكرة الشعوب وبين الاثنين تضيع أحيانا سير رجال ونساء كانوا أحق بالذكر وأجدر بالبقاء والخلود
لذلك فإن استعادة سير الاماجد ليست ترفا ادبيا ولا حنينا الى الماضي وانما هي رد للاعتبار وتصحيح لذاكرة اختل ميزانها لان الا مم لا ينبغي ان تعرف جلاديها اكثر مما تعرف بناة مجدها ومنتجي حضاراتها ولا أن تحفظ أسماء الذين هدموا اوطانها وتنسى أولئك الذين عاشوا بشرف وخدموا بصمت ثم رحلوا تاركين وراءهم اثرا انقى من الضجيج وأبقى من أسماء الطغاة والجلادين
واقصد هنا سيرة القمندان مدني مهدي سبيل بوصفها مثالا لذلك التناقض المؤلم في ذاكرة التاريخ فقد ادي الرجل سنوات حافلة بالعمل في خدمة السودان وارتبط اسمه بمحطات متعددة في مسيرة الشرطة والعمل العام ومع ذلك لم يحظ حضوره ومنجزه الانساني بما يوازي ما تركه من أثر حتى تراكم غبار النسيان فوق اسمه وتوارت سيرته عن اجيال كان من حقها ان تعرفه
حتي مواقع زملاء مهنته التي ملات الاسافير وعجزت ان تثبت له صورة واحدة علي صفحاتها حتي علي سبيل المجاملة وتعمدوا نسيانه بقصد او بغفلة وماكان لمؤسسة عظيمة ينتمي اليها الراحل ان تنسي مثل الكمندان مدني
ولعل مأساة مدني لم تكن في أن حياته خلت من الأحداث التي تستحق التوثيق بل في العكس تماما كانت حياته اوسع من المساحة التي منحها له المؤرخون. فبينما احتفظت الكتب بأسماء كثيرين لأنهم حكموا أو بطشوا أو أثاروا الصخب مضى هو في طريق الخدمة والعمل في صمت ثم رحل تاركا وراءه شذرات متناثرة في ذاكرة أسرته ورفاقه وبعض والوثائق والصور التي نجت من ايدي الهاموش وعاديات الزمن
ومن هنا فإن الكتابة عن القمندان مدني مهدي سبيل ليست مجرد استدعاء لرجل غاب ولا محاولة لتجميل الماضي وإنما هي محاولة لاسترداد صفحة سقطت او اسقطت من كتاب الوطن صفحة تقول إن التاريخ الحقيقي لا يصنعه أصحاب المنابر والسلطان وحدهم وإنما يصنعه أيضا أولئك الذين أدوا واجبهم ثم غادروا بهدوء من دون أن يجدوا من يرفع أسماءهم في رفوف التاريخ وشرفاتة التي صارت موبوءة باسماء الجبناء والمخاتلين
إننا لا نكتب عن مدني لأنه نسي فحسب بل لأن في نسيانه ظلما للذاكرة نفسها فبعض الرجال يرحلون عن الحياة وبعضهم يرحلون عن الكتب لكن آثارهم تظل تنتظر من يزيح عنها الغبار ويعيدها إلى المكان الذي تستحقه في ذاكرة الوطن
وتتجلى إحدى الصفحات اللافتة في المسيرة المهنية للقمندان مدني في الدور الذي ينسب إليه أثناء عمله في قيادة شرطة المباحث حين واجهت الديمقراطية السودانية محاولة انقلاب قادها الملازم اول خالد حسين الكد 1966 فبحسب الرواية التي توثق سيرته مكّنته يقظته وخبرته الأمنية ومعه أجهزة المباحث التي عملت تحت قيادته من كشف خيوط المحاولة قبل أن تبلغ غايتها والقبض على المتورطين واستكمال إجراءات التحري معهم ثم إحالتهم إلى القضاء وكان من ضمن الذين وردت اسمائهم في التحيقات العقيد جعفر محمد نميري مرشحا لرئاسة حكومة الانقلاب فقد كان نميري يومها في بورتسودان وعند استدعائه للتحقيق تتدخل حزب الامة بواسطة وزير الداخلية احمد المهدي واحتفظ بملف تحقيق نميري الذي قدمه له الكمندان وقال له بعضمة لسانه ان جعفر نميري هو ابننا واوالدة كان امام مسجد الانصار فنجي نميري من المحاكمة وقد ذكر لي المهندس انور مدني بن الكمندان ان والده اخبره انه اجري تحقيقا مع عبد عبدالخالق محجوب واستجوبه بعد ان وجدوا اسمه في قائمة خالد الكد ولكن لم تثبت اشتراكه في المحاوله وضمن ماقاله له ان عبدالخالق رجل مهذب وخلوق وذكي ولماح ورغم قناعتي انه مشارك ولكن لم نجد اثرا او دليلاضده فاطلقنا سراحه بعد يوم واحد من التحقيق وخالد الكد هو بن خالتة عبدالخالق محجوب وتم تقديم خالد ورفاقه الي المحكمة وحوكم خالد بالطرد من الخدمة والسجن ولم تكن تلك الواقعة مجرد نجاح مهني في كشف مخطط أمني بل كانت في سياقها دفاعا عن النظام الدستوري القائم وحماية للمسار الديمقراطي من أن يجهض بقوة السلاح. ومن هذه الزاوية تكتسب سيرة مدني بعدا يتجاوز الوظيفة والرتبة اذ تضعه في لحظة تاريخية كان فيها رجل الشرطة واقفا وحريصا علي اداء واجبه في حماية القانون والمؤسسات والحريات العامة وتخندق بين صندوق الاقتراع وصندوق الذخيرة حماية للنظام الديمقراطي
ونواصل
