الكوميديا البلهاء والمبتذل في الخطاب السياسي والاعلامي الرسمي .. بقلم: محمد الأشرف
11 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
54 زيارة
عندما قاد السياسي الامريكي الاسود مارتن لوثر كينغ حركة الحقوق المدنية و انتصر علي العنصرية في الولايات المتحدة الامريكية كانت الكلمة سلاحه الاقوى ضد خصومه و مؤسساتهم السلطوية. فلا عجب ان صارت عبارته الشهيرة ( لدي حلم …..) و التي درج علي ان يبتدر بها خطاباته ايقونة من ايقونات الخطاب السياسي و الجماهيري في التاريخ الحديث, مما يعكس اهمية الخطاب السياسي كمحفز ووسيلة لنصاعة ووضوح الافكار و بالتالي الي قوة المعني و جلاء الفكرة و المضمون و جعلهما حقائق تعايش واقع الناس و مصائرهم. فصارت تلك العبارات مصدر إلهام للشعوب و منعتق لمستقبلها الانساني و السياسي.
فإن كان الخطاب السياسي علي تلك الدرجة من الاهمية , فما بال ساستنا الانقاذيين ووزراء حكومتنا المبجلين يهرطقون بكل مبتذل في السوح الاعلامية؟ هل وصل بهم الحال الي مراحل العجز و العقم السياسي لدرجة انهم صاروا لا يميزون الغث و السمين في خطابهم السياسي اليومي؟
الحقيقة ان الناظر الي وسائل الاعلام و التي اضحت جلها رسمية بسبب ضيق السلطة من استقلالية الاجهزة المسموعة و المرئية و المقروءة , يري الواناً و اشكالاً من الخطاب السياسي ذو النوعية المتدنية و المبتذلة و ذلك لعدم قدرة المتنفذ او الفاعل السياسي عن إنتاج قدر من المعرفة او الفكر السياسي القادر علي التأثير الايجابي و إلهام جمهور المتلقين. فصارت كلماتهم تعبر عن كوميديا بلهاء لا تطرب السامعين و إن حاولت إنتاج عبارات ذكية تدهش الآخر فانها تخرج للملأ عرجاء دون تأثير ملموس. فصار مسرحنا السياسي و الاعلامي مسرح العبث و اللامعقول . فالوصول الي مرحلة الإبتذال في الخطاب السياسي هو نتاج حتمي للمونولوج أو مسرح الحزب الواحد, فالذي يخاطب نفسه بشكل دائم لا يمكنه اكتساب مفردات جديدة و تراكيب لغوية مبتكرة لإنتاج الكلام و الفكر و ذلك لغياب التلاقح الثقافي و الفكري الذي يعتبر منبع المعرفة الحقيقية.
ملاحظاتنا هذه لا نقصد بها بتاتاً احداث اي مقارنة اوتحليل بأنماط الخطابة في السياسة الدولية مثل قدرات الرئيس الامريكي اوباما او الرئيس الكوبي او حتي هتلر, حاشا وكلا فالمقامات محفوظة وو اقعنا السياسي لم تخٌلق مدرسة لغوية او نظرية ألسُنية بعد تستطيع تناوله تناولاً علمياً لأنه دون مستوي العلمية. و لا ندعي اننا لدينا القدرة علي تفكيك بنية خطابنا السياسي و الاعلامي و ذلك بسبب عجز ما, و لكن لأن خطابنا (مفكك) بالاصل. لإبراز ذلك التفكك تتسابق الصحف اليومية في وضع تصريحات غرائيبية علي صدر واجهاتها بالمانشيتات العريضة ناقلة الإثارة و السخرية و الإبتذال من أفواه السياسيين و الوزراء والإعلاميين. دعنا نلقي نظرة علي بعض نماذج تلك التصريحات العجيبة
رئيس الجمهورية: واصفاً الحركة الشعبية
“لا يمكن أن نقول لها الحركة، بل نقول لها الحشرة، وهدفنا القضاء على هذه الحشرة نهائيًا”
الحاج آدم يوسف نائب الرئيس يتحدى إسرائيل: ” كان ينزلوا لينا تحت في الارض لنحسمهم بالسواطير”
وزير الصحة في العاصمة السودانية الخرطوم، “بروفيسور” مأمون حميدة
“على المواطنين أكل الضفادع لدرء آثار الفيضانات وبذلك سنضمن بيئة نظيفة وقيمة غذائية جيدة”.
وزيرة الرعاية الاجتماعية في ولاية الخرطوم، عفاف أحمد عبد الرحمن تدعو الي “تصدير البني آدميين: المهندس الشاطر، والطبيب الشاطر، والفني الشاطر”.
وزير الصناعة السوداني، السميح الصديق: ” بدأنا في تجميع أيباد”
إقرار نواب البرلمان السوداني قانوناً للرفق بالحيوان شمل بضعة حقوق للحيوان من ضمنها “حرية التعبير عن سلوكه الحيواني”
نافع علي نافع يتحدي المعارضة و ان عليهم “ان يلحسوا كوعهم”
هيئة علماء السودان: ” طلاب نيالا القتلى نالوا جزاءهم العادل”
الهندي عز الدين : “طز في جنيف و طز في واشنطون”
اسحاق فضل الله: “الحزب السيوعي سفيه و عرمان حمار”
والي جنوب دارفور: “انتشار الدراجات النارية في الولاية مخطط صهيوني”
أعلاه غيث من فيض التصريحات التي تتناقلها الصحف يوميا نقلناها لكم دون الخوض في التصريحات المتكررة لنجوم الاعلام و المجتمع الجدد امثال بلة الغائب و شيخ الامين فهم زمرة من الدجالين و المشعوذين الذين لا يستحقون الذكر في هذا المقام. و لكن لنعود الي واقع الاعلام الذي يتسابق في ابراز الضحالة الفكرية و السياسية علي صفحاته اليومية و التي في اعتقادي تعود لعدة اسباب: السبب الاول هو الكبت الاعلامي و الرقابة المسبقة المفروضة علي وسائله من هجمة امنية و مصادرة للصحف و ملاحقة و إعتقال و إحتجاز الصحفيين. فهي بلا شك انتجت فراغاً من ناحية المادة الاعلامية الدسمة التي تشبع نهم و فضول القارئ. السبب الثاني هو مادي يتمثل في اتجاه اغلب الصحف بتوجيه من اداراتها نحو الإثارة التي تجذب مزيداً من القراء و تحقق مبيعات ذات عائد مادي مجزي و كفي الله المؤمنين شر الرقيب الامني. السبب الثالث في ظني سبب كيدي, بمعني ان حالة الملاحقة و المصادرة و الظلم الذي لحق بقبيلة الصحفيين خلقت نوعاً من الغبن علي السلطة و سدنتها فتسابق الاعلاميون بتسليط الضوء علي الجانب الساخر و الهذلي في تصريحات المسؤولين كرد فعل انتقامي عن إلحاق الأذي بمهنتهم و انتصارهم لها. ففي نهاية الأمر التصريح المنسوب للمسؤول لا تستطيع الرقابة ان تعاقب عليه و تصادره مما فيه مساس بالكيان الإعتباري للمسؤول نفسه.
ايّاً كان السبب الذي دفع الاعلام للإهتمام بالتصريحات الغرائيبية لا يعفي السلطة الرابعة من مسؤوليتها المهنية و الأخلاقية من ان ترتقي بالذوق العام و إنتقاء المفردات التي تشحذ الطاقة المعرفية للقراء و تنمي ذائقتهم الثقافية و الفكرية.
ملاحظة اخري جديرة بالاهتمام في استخدام المفردات الرسمية و اللغة المتداولة جماهيرياً. فقد درج بعض المسؤولين الي استخدام لغة مبسطة ظناً منهم انها تقربهم من العامة من الشعب و الحقيقة ان محاولة التبسيط هذه في الواقع تبسيط مخل و موغلة في الدارجة و العامية و لا ترتقي لمستوي ذكاء الخطابي السياسي . اراد المتنفذين إيهامنا بأن مستواهم المعرفي أعلي من العامة فقط يتعمدون إستخدام لغة مبسطة و لكنهم في الاصل لم يبارحوا المستوي العادي قيد أنمُلة لعدم قدرتهم علي انتاج غيرها و لمحدودية الذخيرة المعرفية و هي بالتالي لا تعكس مستوي الخطاب السياسي اللماح الجذاب المشحون بالنكتة و الحنكة و الفطنة. و الواقع انهم لم يستفيدوا من الخبرة المعرفية التي توفرها لهم السلطة لانهم بالاساس غير مؤهلين و غير جديرين لتقلد المناصب السياسية و لمحدودية قدراتهم الطبيعية.
و لعله تجدر الاشارة هنا الي الدور الكبير الذي كانت تلعبه شخصيات ذات قدرات فكرية و معرفية في توجيه دفه الخطاب السياسي في زمن لم تحدث فيه القطيعة و الخصومة السياسية بين كوادر الحركة الاسلامية ذات التوجهات العقائدية و الفكرية و التنظيرية امثال حسن الترابي و غازي صلاح الدين و التيجاني عبد القادر من جهة و كوادر التعبيئة السياسية و جماعات التهليل و الوعيد من جهة اخري . فصار الأخرين في مهب رياح التحدي الخطابي المعرفي و قد تُركوا وحدهم الإ من اموالهم و سلطتهم و نفوذهم الامني. فمن كان يعد الاوراق الفكرية و يصنع المفردات المتفذلكة و يجترح الشعارات الدينية البراقة لحشد الطاقات البشرية, اصبح واقفاً علي البعد غير عابئ بخاتمة المسرحية الكوميدية العبثية و نتائجها الكارثية. و لربما تتملكه النشوة الزهو احياناً و لسان حاله يردد “ذاك ما اقترفته يداك يا بني”.
ان حال الخطاب السياسي و الاعلامي المفكك هو جزء اصيل من ازمة الواقع السوداني الكلي الذي دخلت فيه الامة بسبب تراكم سياسيات الانقاذ و تمكين الاسلام السياسي علي مدي عقدين من الزمان. و صلاح ازمة الخطاب هو في صلاح ازمة الوطن ككل في مناحية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية . و ذلك لن يتحقق الا ببرنامج ديمقراطي يستوعب كل الوان الطيف السياسي و التنوع الثقافي و الفكري وهو بكل تأكيد لن يتأتي في ظل وجود سلطة الانقاذ الغاشمة التي تمثل حجر العثرة امام الحلول الناجعة.
muhaashraf@yahoo.com