لا جدال في أن الغرب الراسمالي الليبرالي نجح حيث فشل الشرق الشيوعي الشمولي. الشاهد في ذلك هو صعود الدول الغربية وسقوط دول معسكر الكتلة الشرقية. والسقوط هنا، وكما الصعود، مقياسه العالم الذي نعيش فيه، لأنه ما زالت هناك بقية روح في دول تسمي نفسها بالشيوعية لكنها تعيش فشلا ذريعا يَتجلَّى في إنتفاضة الشعب الكوبي ضد نظام الاخوة كاسترو، وفي مأساة ومعاناة شعب كوريا الشمالية في ظل النظام الشيوعي بقيادة الشاب الطائش كيم جونق – أُون. أما الحزب الشيوعي الصيني فقد رضي بمحاكاة نظام الغرب في إقتصاد رأسماله الحر، لكنه رفض تداول السلطة الديمقراطي الذي سوف يحرمه الجلوس المريح على كرسي السلطان ويفقده ميزة إستحواذ إعضاءه – القطط الحمراء، على ‘فائض جُهد القادرين على العطاء’.
الان، بعد عشرين عام من سقوط حائط برلين على يد مساجينه، في الجانب الشرقي منه، ما زال هناك من يحدثنا عن مؤامرة الغرب الأمبريالي الرأسمالي ضد الشعوب الناهصة من رماد حريق أنظمة الفساد والاستبداد. لكن، كيف تستقيم حجة منطق صلاح نظرية نظام سياسي – إجتماعي في الوقت الذي يُكْتب فشلها في واقع الحال وترفع أقلامه وتجِف؟ سؤال سوف نحاول الأجابة عليه لكنا من غير أن يكون سجالاً دائري لا ينتهي إلى نتيجة. فإذا كان لنا أن نُسلِم جدلاً بإمكانية الفصل بين الفكر ونتائج تطبيقة، لما إستطعنا التفريق بين المنطق الذي يقول بفشل دولة الإسلام السياسي لتخليها عن حسن تعاليم دين الإسلام، وذلك الذي يبرر إنهيار منظومة النظام الشيوعي بدعوى سوء الفهم وركاكة التطبيق.
قد يكون مفهوما في إطار معرفة المسلمات وثقافة عربة السيرك التعصب للقناعات السياسية لدرجة تَرقى للتَمذُّهب العقائدي، لكن من المحير، وغير المفهوم تماماً، أن يدافع عن مثل هذا المنطق من يعيش فشل تجربة تطبيق مثل هذه النظرية المُتمثِّل في الإنهيار المُدويِّ لدول المعسكر الشرقي – الإشتراكي والذي مازال صداه يتردد على جنبات الكرة الأرضية الأربع. والإكثر حيرة وأستغرابا من هذا كله هو موقف أولائك الذين أختارو الحياة، وبحر إرادتهم، في كَنفِ نظام دولٍ يرونها تقوم على النقيض من قناعاتهم، في حين يتوقعون من الآخرين أن يرفضو ذلك بحجة المؤامرة التي تحاك ضدهم بإغراقهم في في الديون التي يصعب عليهم سدادها فيرضخو للاستغلال ويركنو للخنوع. الأدهى من ذلك، أن هؤلاء الراضين بالعيش في مساحة التناقض بين أفكارهم وأفعالهم يعرفون جيداً مصدر الموارد الذي تُخصِصُها هذه دول ‘الإمبريالية’ للصرف على الأجندة الإجتماعية فيها من صحة وتعليم ورعاية للشرائح الضعيفة من أطفال ومسنين وأرباب معاشات إلخ.
في دولة بريطانيا، أحد المواطن الإفتراضية لإكتمال شروط ثورة البرجوازية التي سوف تمهد لطبقة البروليتاريا الإستيلاء على السلطة، بلغ إجمالي الصرف على البند الإجتماعي في ميزانية عام جائحة الكورونا ما يفوق الترليون دولار – مبلغ يعادل 340 مرة الناتج القومي السوداني وأقل بقليل من الناتج القومي لدولة روسيا الإتحادية. كل ذلك كان ممكا لأن التغيير في الدول الديمقراطية – الليبرالية تحكمه معرفة الواقع المعاش – واقع جائحة الكرونا المؤلم الذي أجبر نظام اليمين الحاكم للإنتقال، ومن غير تردد، لمنطقة اليسار حتى يتمكن من تحمل مسؤوليته في حماية مواطنيه من العوز والموت والمرض، فقام بدفع رواتب موظفي الدولة والقطاع الخاص وهم جلوس آمنين في بيوتهم، وزاد عليها الإعفاءات الضريبية والقروض المسهلة، طويلة الأمد، حتى يضمن معائشُ الناس والحفاظ على إستمرار عجلة الإنتاج.
نظنه من تحصيل الحاصل القول أن نجاح نظام الدول الرأسمالية – الغربية يكمن في نظامه الديمقراطي اليبرالي القائم على حق الأفراد في تَملك جهدهم وأفكارهم، وأن فشل نظام الدول الشيوعية- الشرقية يكمن في تبنيها لسياسات معكاسة لذلك تماما. فمعروف من تجارب الإنسانية أن المساواة المطلقة في الجُهْد والتفكير تتعارض مع ‘طبيعة تفرد الإنسان’، وأن العائد المعنوي والمادي يمثل دافعاً للتجديد ويضمن أستمرار عجلة لحظة التغيير في التاريخ. إذاً، فما جدوى التمسك بالقديم وإعادة تجريب المجرب الفاشل، وفي بلد معدم، فقير، مثخن بجراح ربع قرن من قمع وفساد الدولة الثيوقراطية – الشمولية.
للمفارقة، كتب إنجلز مباديء النظرية الشيوعية كتعاليم مذهبية تَلَخصت في المادية التاريخية، الصراع الطبقي، وإستيلاء طبقة العمال على سلطة البرجوازيين. لكن التغيير المعرفي والمادي يصنعه الإنسان من خلال محاولاته التمسك بأسباب الحياة ورفاهيتها، والتاريخ تكتبه المعرفة التي تمتلك أدوات الواعي والإستنارة بمفهوم تركيبتها الإجتماعية التي تشمل المادي والروحي والنفسي. أما طبقة العمال فلم يعد أفرادها هؤلائك الكادحون في مصانع وحقول الإقطاعيين والنبلاء، لأنه في عصر إقتصاد المعرفة والتكنلوجيا تغيرت طبيعة الجُهد الذي يبذلة الإنسان، وبالتالي طبيعة علاقات الأنتاج الذي تربطه بعمله ومُخدميه. أما إنتظار الطبقة العاملة ل – لحظة بلوغ النظاام الرأسمالي ذروة التقدم والنجاح للإنقضاض عليه والإستيلاء على نجاحاته، ما هو إلا إنتظارٌ للذي لا يأتي، وتعبير عن فكر قاصر وكسول. فلا البرجوازية ‘الصغيرة’ أنتهت إلى ثورة حتى تتلاقى مع مد ثورة البروليتاري فيتم تَخطِّي نظام البرجوازية ‘الكبيرة’ والعبور إلى دولة العدالة الإشتراكية، ولا النظام الرأسمالي عجز عن إستيعاب متغيرات علاقات الإنتاج وتلبية رغبات أياديه العاملة حتى تتغرب عنه، فتغضب، فتثور، فتنقلب عليه.
لكل ذلك، نرى أن محاولات تبرير الفشل المقيم بحجة سوء التطبيق وتآمر الآخرين ليس أكثر من تضخيم للذات، وعدم أتساق معرفي معيب ممعن في التناقض واللا مبدئية.
نظام الدولة الديمقراطي- اليبرالي، ككل الإنظمة السياسي – إجتماعية، ليس بالنظام المثالي الخالي من العيوب، ولا يمثل نهاية التاريخ كما تنبأ فرانسيس فوكوياما، لكنه لاشك يمثل نجاحا نسبيا إذا ما قورن بسقوط دول المعسكر الشرقي ورضوخ دولة الصين لشروط الملكية الفردية وحركة رأس المال الحر. وبعد كل هذا، لا غنى عن متلازمة الديمقراطية، وحرية الفرد في التفكير والعقيدة لنظام دولة المواطنة العادلة والمتساوية، وإذا كان هناك طريق إلى دولة العدالة الإشتراكية، فتجارب الدول الناجحة تقول لنا أنه يمر عن طريق توسيع ماعون أجندة الرعاية الإجتماعية في نظام دولة الديمقراطية، اليبرالية، الرأسمالية، ولنا في تجارب الدول الإسكندنافية، وإقتصاديات عهد جائحة الكرونا، عبرة جديرة بالتأمل والتفاكر.
عثمان عابدين عثمان
osmanabdin@gmail.com
https://www.facebook.com/oosman51/
30/07/2021
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم