(المثقف/السلطة/الجماهير) الوعي بالوكالة وأوهام الناطقية .. بقلم: غسان علي عثمان
21 أكتوبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
• الذهنية النقدية هي تلك التي تُعيد تدريب حاستها على استنطاق الأفكار وتجريدها من المحمولات الأيديولوجية..
– النقد حالة ليس من بلاغة فلسفية قادرة على بناء سلطتها خارج وصاية النقد ذاته.
– نعيش في مجتمع التي لا تزال قَوَّاهَ الْحَيَّة تستعذب ممالئة التيسير والخفض، واليقين بمطلق الهداية عند الصفوة..
– نخبتنا واقعة بين إذعانين (السلطة والجماهير) وهي لا ترضي إلى نفسها..
الذهنية النقدية هي تلك التي تُعيد تدريب حاستها على استنطاق الأفكار وتجريدها من المحمولات الأيديولوجية الرابضة تحت سطح الوعي،إذ تَحمل هذه الذهنية على كتفها تفريد كل شيء ناحية جعله خالياً من المعنى المسبق، وبذا فإن دور الذهنية النقدية تفكيك كل شيء، لا لأجلالتفكيك، بل لصالح بقاء عناصر كل فكرة بمعزل عن الأخرى، وفي ذلك ضمانة لفهمٍ أكثر رعاية وشمول لأصل الوعي وضروراته. هذا وفيحالة غياب التقدير السليم لموقع كل بنية من بنى المعرفة حتماً تتسلل معاني خفية وتندرج في سيولة تمنح معها نفسها الحق في تلوين كلشيء بما يتوفر لها من أغراض، وهذا شغل السياسة لا الوعي المجرد، والنقد هنا لا يعني فعالية تمييزية وحسب، بل هي في اختبار مستمرلنفسها، وتملك القدرة على التخلص من ثمراتها قبل موسم الحصاد، فالنقد ضرورة للنقد ذاته، ولا يُفهم أن يكون النقد حالة من بلاغة فلسفيةقادرة على بناء سلطتها خارج وصاية النقد ذاته.
ومَن يوصفون بطلاقة هذه المَلكة ليسوا في موقع أعلى من بقية المكونات الاجتماعية، وبسبب أن هذه العملية معقدة وبالغة الكشف عنمضامينها، فهي أكثر كلفةً في المجتمعات التي لا تزال قَوَّاهَا الْحَيَّة تستعذب ممالئة التيسير والخفض، واليقين بمطلق الهداية عند بناءالمظاهر على وحي من الممكن والمعقول، وتفريغ شفاهتها في قوالب من مقولات وكلام، كما أن المكلفون بابتناء ذهنية كهذه يعانون من إنكارٍمزدوج، فهم من ناحية موصوفون بالاستهلاك النظري هروباً من متطلبات الواقع، نعم، كونهم لا يزالون يستحفرون خطاهم بحساسية حذرة لاتريد أن تقول كل شيء دفعة واحدة، ومن ناحية أخرى هم مكلفون بالإذعان لحركة المجتمع التي لا تهدأ، وهذا يفيد أنهم واقعون بين إذعانين(السلطة والجماهير)، وهنا ينبغي أن لا يمارسون فضيلة ما يطلبه المستمعون، أو يخشاه القادرون على استخدام أدوات الدولة في مواجهةالمعارضين، ولعلنا لا نعدو إذ قلنا إن النقادون على هذه الشاكلة يمتنعون عن النشاط والفاعلية بسبب كونهم أقلية، وغير قادرون على إقامةتوازن بين النظر وما يقع عليهم من تبعات ومسئولية كونهم الأعلى طلباً من الجماهير، وفي حالة غريبة وهي هذه الجماهير تظل تعتقد فيهمدمامل وجوبية الوجود كفاً للأذى، ووجودهم ضروري كونهم صدارة يجب الاختباء خلفها مع الطَرق باستمرار حول عجزها وقلة بضاعتهاالمنتجة للتغيير، ويبدو أن دور مثقف على أن يظل وحيداً في مواجهة طبقة السلطة يكفي الجماهير ويخفف من وطأتها ويروي عطشها فيصلاحية السكوت عن المظالم طالما لم يستطع الوكيل توفير البدائل، وكأن الجماهير تخضع لسيرورة خفية تريدها السلطة، فوجود ناطقونباسم المجموع يعني تقليل فرص الهجمة على السلطة، وحصر المعركة بين أفراد متشاكسون وفاقدون للقوة، وبين سلطة معبأة بأوهام التمثيل،وهنا فهي معركة غير متكافئة، أفراد مخذولون رغم حقهم في الكلام نيابة عن البقية، وبين سلطة تستمد معقوليتها من هذا الفراغ العريضالمسمى “جماهير شعبنا”.
ومن المسائل التي تتعلق بهذه القلة القليلة تلك الثنائية السمجة والتي تضع (المثقف) في مواجهة السلطة، وهي ثنائية أقل ما يسعنا وصفهابالغباء المهجن، فكون المثقف مالكاً لأدواته التي سَهِر على تكيَّفها حتى تنضج مقولات وأفكار، فهو بهذه الوضعية مثقف عمومي وظيفته أنيجيب عن كل شيء، وفي أي وقت، وفي هذه الحالة يبدو أن الطلب عليهم في المجتمع يقصد به تصويرهم ناطقين بالوكالة عن بقية أعضاءالمجتمع، وهذه نظرة باتت من مخلفات العصر الوسيط، حين كان يكفي أن ينطلق أحدهم بعبارة “أنا أتهم” – (عنوان مقالة كتبها إميل زولاحول قضية دريفوس 1898م) فيصبح على البقية النزول من الحافلة عند أول محطة دون دفع الأجرة تهرباً من كلفة السير في طريقالمواجهة، أما الآن فتعبير مثقف لم يعد حكراً على من يملكون حق التعبير، ففي عالم اليوم الكلمة حق الجميع، وبذا فوجود طبقة المثقفينمحكومٌ عليها بالزوال إذ استمسك المجتمع بتعريفه الكلاسيكي لجماعة هم من أصحاب الإبانة والجاذبية، وفوق ذلك مُكَرهون على الامتثاللحق المجتمع عليهم يمَثُلُون أمام محكمة السلطة المنعقدة دون حاجب.
وكذلك ينبغي إعادة النظر في هذه الثنائية التي لطالما كلفتنا الكثير، إذ هي وباختصار تريد تحويل كل رصيد الجماهير من الوعي إلى بنكالمتحدث بالكتب وأقوال الحكماء وتجارب الفلاسفة، وهذا يفسر لنا غياب طبقة من المثقفين مجتمعة على معنى واحد من فهم العالم والمجتمع،لأنهم لا يستطيعون حقاً إقامة أي نوع من الوحدة بينهم، طالما أن صلاحية وجودهم مرهونة لمسلك غير واعي ويفتقد للمراقبة والرصد،فالمجتمعات لا يُحركها وعي ثابت بسبب غلبة نوع رديء من النقد، هو النقد المماثل للهروب، إذ تتخلص من عبئها الذي تئن من شدة تجذره فيحياتها اليومية عبر الصراخ بأن كل شيء لم يعد قابلاً للتغيير، وأن السبب في ذلك من يطلق عليهم مجازاً (الصفوة).
أما المواجهة مع السلطة تعني أيضاً نقل المعركة؛ معركة الوعي ضد الظلم من اعتبارها حق جماهيري أصيل إلى معركة محفوظة التفاصيل(عارض- واجه- أُسجن…إلخ) وبقية تفاصيل الدراما التاريخية، الحقيقة الآن باتت معركة الوعي لا تتصل بالضرورة بهذه الثيمات منالصراع، ففي ظل هيمنة (الميديا) بات من المستحسن أو على الأقل لرفع الحرج أن تتولى الجماهير عبر صوتها النقي التعبير عن نفسها، بلعليها التخلص من جمودها وركونها المتقن في رفع المسئولية عن نفسها، وبيعها دون عقود لوكلاء يمارسون دورهم في التغيير بما يفتقرون إليهمن معرفة صادقة بطبيعة التحولات الاجتماعية، وقد لا يدرك الكثير منا أن العالم قد تغيّر من كونه صراعٌ على السلطة بين طرفين، إلى معركةإثبات الحق في صلاحية الأفكار والطروحات المستخدمة في المواجهة.
لا يسع عالم اليوم أن يظل رهين القدرات الفردية أياً كانت فرادتها ليتم تشغيلها في مواجهة معائب السلطة وشهوة السياسيين، نحن اليومأمام وجود مستقل للإنسان العابر للوكالة، إنسان بات يملك القدرة على تحقيق ذاته عبر ممارسة العنف الرمزي، وتجفيف سطوة الممسكبمقاليد الثروة والأرض عبر فضحه بالنقد وبالتفاهة أحياناً، أما حكاية المواجهة ويالها من عبارة مُفتِنة وجنسية إلى حدٍ ما، فإن فكرة المواجهةالراهنة ما هي إلا بقايا صراع الفرسان على الفوز بقلب الأميرة، أو إرضاء شهوة الموت عند المقاتلين، وبات لزاماً في اعتقادنا طي صفحةمفاهيم السجن والاعتقال والمجابهة بين المثقف والسلطة، وتبييض صفحات أخرى يكون فيها للوعي الفردي القادر على المجابهة لا المواجهةأن يستلم زمام التعبير الجماهير التي تهرب من تبعات التعبير عن نفسها، ووجب عند ذلك نقض العهد مع الوعي المسنود إلى طبقة بعينهافي المجتمع، طالما المعركة معركتها، والحياة حياتها، فالأولى أن تعمل على الحد من هيمنة السلطة عليها هذا من جانب، ومن الجانب الآخرتتخلص من وهم وجود طبقة ممتازة هي المسئولة عن لقاء السلطة في مكان قريب، ودفع تكاليف المعركة.
إن الواجب في نظرنا هو إعادة بناء قاموس الطبقة في الدراسات الاجتماعية، لم يعد ممكناً الركون إلى تقسيمات على شاكلة (صفوة- نخبة- سلطة- دولة) إلى فهم جديد يُعَرّف المجتمع بأنه قوة فوق أي معنى آخر، وهذا يفيد بأن نشرع في محاولة بناء علم اجتماعي جديد نوظف فيهآخر ما جرى من نتائج التحولات في الوعي، وهذا سيتيح لنا التخلص من مُخلفات ظلت تهيمن علينا وتُقيم وجودها على تغييب طاقات نافذةفي المجتمع وتحرك ساكنه، وتدفع بالمَهمة كلها إلى أقلية أثبتت وقائع التاريخ عجزها ونسبية قوتها بل واستئسادها على البقية بوهم الامتيازوالناطقية، وكل ذلك بدون الذهنية النقدية لا نجد سبيلاً له.
—
غسان علي عثمان
كاتب – معد ومنتج برنامج (الوراق)
صدر له:
الهوية السودانية (تفكيك المقولات)- ديكور العويل في نقد النخبة السودانية- العلمانية: قراءة في المصطلح والمشروع- محمد عابد الجابري
ومشروعه النقدي
هاتف: 00249912472941
Ghassan Ali Osman
http://muthagafa.blogspot.com/
twitter.com/Ghassan1900