المدافرة من منظور إسلامي قراءة ثالثة !! إلى د. محمد وقيع الله مع التوقير!! .. بقلم: هاشم علي حامد

 

(من ارشيف الكاتب)

hashimhag@yahoo.com

قرأت مقالا قديما حديثا بعنوان المدافرة من منظور إسلامي.. رسالة إلى غازي العتباني مع التوقير بصحيفة الصحافة الغراء في عددها(5620),أستميح القارىْ لقراءة ثالثة للمقال نسبة للظرف الزمني الذي أتاح لي الاطلاع عليه, ولما كان المقال هو لأستاذي دكتور محمد وقيع الله يجدر بي استغلال مناسبته وما ورد فيه من رؤوس مواضيع في القراءة , والمدافرةالسياسة, والعمل الإسلامي,لاشارات يحتاجها المقام الذي جمع بينه وبين شيخنا دكتور غازي صلاح الدين العتباني وكان مناسبة للمقال.. ولعل نوعية هذا الحديث في النقد، هو الغائب عن الساحة السياسية والفكرية , وهو ما أشار إلية د.غازي في انشغال أهلها بيوميات السياسة التي غيبتهم حتى عن الاطلاع، وعن ملاحقة دنيا لا تتوقف لحظة ولا هنيئة واحدة عن التقدم والركض كما ذكر د. محمد وقيع الله على لسان د.غازي العتباني.. وأضيف من عندي ان الأمر لا يتوقف على القراءات الفكرية فحسب, بل يتملكني يقين ان الكثير من الوزراء والمسؤولين لا يقرءون حتى الصحف اليومية فيما تحفل به من تحقيقات، واستطلاعات، وتقارير ومقالات, ولا يجد هذا الجهد الوطني تقديرا منهم لينعكس اهتماما لإصلاح معوج أو إتقان قائم أو تبني فكرة.

البشرى بصباح لا تذبل وروده!
الأمر لا يتوقف على القراءات الفكرية ومتابعة حركة الدنيا ومواكبة التطور الذي يصاحب كل صباح جديد حياة أمم تتقدم للامام، وهو ما تحسر عليه شيخنا د. غازي , ولكن ما تسبب فيه مناخ الإنقاذ من اضطراب في إطار الفكر و”النزاهة” هو اكبر خسارة للواقع السوداني حينما غابت مدافرة الفكر، و”التجرد” لصالح تباري مدافرة التنافس السياسي وصراع المصالح في لعبة الكراسي التي أشار إليها د. غازي وتوجَل منها د.محمدوقيع الله ..!
بالأمس كان كتًاب الحركة الإسلامية ومفكروها يملئون أفق الشمس بأفكار وأمنيات لواقع سياسي حضاري منشود , كل أحواله تبشر بخير , وكل مشاكله مقدور عليها , باجتهادات وأفكار ناصعة وحركة مخلصة دؤوبة، متابعة كل ما يدور في عالم الفكر والسياسة من جديد اجتهاد يثري الواقع السوداني ويبشر بصباح لا تذبل وروده !
..أسوء ما سببته الإنقاذ هو الجمود الفكري الذي أصاب الساحة السودانية لحساب المدافرة السياسية , حيث لا أراء سياسية حضارية لأهل المشروع تكون مواكبة لجلبة السياسة وتعمل لتصحيح الواقع والارتقاء بأهل السودان ومواجهة المشاكل ,ولا منابر حرة يستمع لنصحها في اجتهاد وطني مخلص, ولا حتى ركن طلابي حر طليق في ساحات الجامعات ينتقد الحال ويعمل على تغييره..

العنصر الفكري الموازي..
السودان ينقصه في عمق تركيبته السياسية العنصر الفكري الموازي لحركة ونشاط الحراك السياسي, هذا الوعي الذي يتابع ويقرأ ويكتشف ويرقى بعقلية وممارسة أهل الحكومة, ويكون له دور فكري موازي لحركة السياسي !
ولعل هذا ما يشار إليه في تجربة الزعيم الوطني محمد احمد المحجوب التي أورد طرفا منها د. محمد وقيع الله في معركة المحجوب الخاسرة مع الأحزاب , حيث كان يمثل مدرسة وطنية للفكر الموازي بوعيه, وأراءه واجتهاداته, التي كان من الممكن ان ترقى بعقلية ونظرة أهل الأحزاب, وترتقي بالممارسة الحزبية برمتها إذا أفسح لها المجال. والشاهد أن ما خلص له المحجوب في تجربته المتأسفة مع الأحزاب التقليدية.. أن أحزاب كهذه لا تمارس في بطونها ديمقراطية حتى في الإطار الفكري التنظيمي , لا ينتظر منها ديمقراطية حقه لأهل السودان على النطاق السياسي.
الحركة الإسلامية في تجربة الإنقاذ هي الأخرى لا تنحصر مصيبتها في الانشقاق الذي شق صفها إلى مؤتمريها الشعبي والوطني كحزبين متشاكسين , بل الأهم من ذلك فشلها في خلق الأرضية الراقية للتبادل السياسي الواعي مع الأحزاب والكتل السياسية للتحول الإيجابي بالممارسة السياسية الى مقاصدها، واخطر منه غياب الموازي الفكري لها وهو ما كان بالأمس ممثلا في أفكار وكتابات ومحاضرات وحركة وعي في الجامعات والمعاهد والثانويات وكافة المحافل العلمية , وليس من المنطق أن يكون ضياع ذلك مبررا له بواقع الكسب السياسي في إدارة دفة الدولة وما يتبع ذلك من مشغوليات وتحديات يغيب فيها حتى جهد مقال أو فكرة لمسؤول إنقاذي كان بالأمس بيرقا اخضرا لحركة الوعي الإسلامي الحضاري.

طرفة الزمن الضائع !
.. ما يشار إليه في تباري الفكر هو المجابدة في إطار التدافع السياسي التنافسي , حتى ضمن الأوعية الطلابية والشبابية لا وقت لأمنيات وأفكار تحلق في فضاء المستقبل, والعقول مشغولة بالمزاحمة والمدافرة على المنصب السياسي والمال السياسي !
ومن الطرائف الإخوانية الحديثة ما حكاه لي أخ صديق وهو شقيق لمسؤول إنقاذي رفيع .. أن شيخه في الحيَ طلب منه أن يحفظ سورة الأنفال كتكليف تنظيمي فما كان من ذلك الأخ إلا أن قال له ( يا شيخنا هو فضَل فيها أنفال , الجماعة ما خموها ! وأنت تطلب مني أن احفظ سورة الأنفال في الزمن الضائع، فضحك الشيخ وعالج سيارته البوكس موديل (73) منصرفا..!

المدافرة ودائرة الأعداء والأصدقاء..
رغم إعجابي بمنظومة الكلمات والمعاني التي أوردها مقال أستاذي د. محمد وموافقتي له في وصف عقلية التسلط طائفيا إنقاذيا كان, أو طائفيا حزبيا فإني أظلل بعض المعاني فيما أورده المقال عن دائرة المعركة التي يهب نفسه للمدافرة في إطارها ..لا أدري ماذا يعني أستاذي د.محمد وقيع الله بقوله ..(ولذلك أقول لمن طلب ويطلب مني أن أعمل في إطار دولة الإنقاذ , إني لا أحبذ العمل في إطار يضيق،وكل ما أستطيعه هو أن أدافر برفق في فضاءات العلم والثقافة والفكر والأدب,هنالك أستطيع بحول الله تعالى ومدده وعونه وتوفيقه أن أدرأ عن حمى الإسلام الحنيف وعن حمى الحركة الإسلامية السودانية المجاهدة عداوات طغاة العلمانيين المفترين الجاحدين المعتدين,وهذه في مجملها مدافرة تتم مع الأعداء وتجري بعيدا عن دائرة الأصدقاء).. وقوله ( أنى لا أحبذ في كل الأحوال أن أدافر من داخل دولة الإنقاذ وذلك حتى لا أصيب أحدا من رجالها بسهم. ).. لا ادري هل مازال التحدي يتمثل في أولئك الذين أشار إليهم أستاذي د. محمد “في معركته التي تجري بعيدا عن دائرة الأصدقاء” !.. ام ان السهام قد َتعود قوسها جهة بعينها لا يحيد عنها سهم رغم تغير الحال وتبدله .. كما أن المدافرة داخل دولة الإنقاذ ليس بالضرورة ان تكون بالأكتاف وهو ما لايحسنه د. محمد ولا يشبه أمثاله من الأدباء والعلماء, بقدر ما تتطلبه من بذل نصح وإصلاح خلل يحتاج علاجه الأصدقاء قبل الأعداء ..ودكتورمحمد باجتهاده واطلاعه قادر وُملمَ بالتشخيص في كل الأحوال.
في اعتقادي أن الأرضية الفكرية السودانية تعاني خلالاً حقيقيا ينبغي الاعتراف به, وتحتاج ثانيا الى إصلاح جوهري لهذا الخلل الذي أصابها جراء الفراغ الذي تركه الإسلاميون وهم سكرى بنشوة السلطة والمنصب السياسي , فغاب الاجتهاد، واستعصى وضنى النصح، لينعكس ذلك في أحوال الظروف التي يعيشها أهل السودان , سواء ضمن حاضر اجتماعي غير متجدد , ومناخ سياسي يستشري فيه الفساد وتتضاعف فيه المعاناة.. معاناة اهلنا الطيبين، ضمن واقع غابت فيها حتى ومضة الأمنيات وتاهت حتى سهام التحديات !
لا دين أعلوا رايته، ولا وطن صانوا موارده ، ولا مواطن خففوا معاناته..
ما كان يعرف بالمشروع الحضاري قبل أن تجرفه مدافرة الطمع السياسي كان أرضية خصبة لرقي في شتى المجالات علم وأدب وفكر وثقافة وتطور.. وحتى بشرى أمل لواقع افضل , عندما كان بعض أقطاب الحركة الإسلامية واذكر منهم أستاذتنا دكتور أمين حسن عمر وسيد الخطيب، وعبد المحمود الكرنكي، ينتعلون أحذية ( تموت تخلي ) كإمعان في الزهد ويحلقوَن بالشباب في فضاءات الأمنيات الحضارية في أطراف الخرطوم وخارجها, وهم الآن يستبشرون بأشياء أخرى، يدافرون ويتدفرون حتى عن مشروعهم الحضاري الذي لم يبق منه سوى ذكرى حزينة وواقع اليم..!
تجربة العمل الإسلامي في الإنقاذ فشلت فالمفقود اكثر من المتداول في الخطاب الإسلامي إن كان هناك خطاب، وعلى نطاق التناصح والإصلاح وتقويم الواقع – كما فشلت بحيثيات طموح المشروع- في جانبها السياسي الذي كان من المفترض أن يكون فيه ذلك الطموح هاجسا حاضرا لا يغيب, يعمل على صد المتاعب عن التجربة السياسية لتكون ناصعة في توجهها , فاعلة في عطائها بالأيدي المتوضئة التي كانت في يوم من الأيام شعارا انتخابيا !.. كل ذلك من اجل ان ينعكس نزاهة للتجربة ونزاهة في المال العام , وإخلاصا في العطاء سياسيا كان او اجتماعيا , وحكومة الإنقاذ في عمرها المديد الذي جاوز الآن العشرين عاما لا يوجد فيها إيصالا حكوميا (موحدا) لصالح خزانة الدولة يرهبه الموظف الحكومي العامل, ويعطى اطمئنانا للمواطن العادي في أن ما يبذله من حر مال ذاهب إلى خزانة الدولة وفق تسلسل رقمي, لينعكس في خدمة اجتماعية لمدنيَة مطلوبة للحاق بركب العالم , او إطار إنساني يوفر لقمة لجائع ..

أما الجانب الفكري الذي ينبغي ان يكون حارسا ورقيبا للممارسة السياسية ومطورا لها مع حركة وتطور العالم فلا يوجد له اثر, وقد تبَؤ مفكروا وأقطاب الحركة الإسلامية مقاعد للسمع والطاعة والضحكات المؤيدة للحاكم, في حين انه كان من الأجدر بهم ان يكونوا رقباء لحركة الوعي السياسي والاجتماعي أمناء على حقوق الشعب عاملين لرفع المعاناةعنه، حريصين لتنمية الوطن عبر مراكز دراسات واستطلاعات فاعلة, يوجهون بها حركة المجتمع ووجهة القرار السياسي, ويعبرون بها وبجملة الحياة السودانية إلى واقع افضل!!

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً