علاء خيراوي
بحسب الأخبار التي وردت في البيانات والتغطيات الإعلامية الرسمية لحكومة بورتسودان، وصل مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، د. أمجد فريد الطيب، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في زيارة رسمية تهدف، وفق ما أُعلن، إلى حشد الدعم الدولي للموقف الحكومي السوداني في ظل تعقيدات الحرب الراهنة. وخلال اليومين الأولين من الزيارة، عقد د. أمجد سلسلة لقاءات مع عدد من أعضاء الكونغرس، من بينهم جم بيرد الجمهوري وسارة جاكوب ووريتشي توريس الديمقراطيين، كما أشار إلى دعم مشروع قانون مرتبط بالسودان يقوده كريس فانهولين الديمقراطي. وتركزت محاور هذه اللقاءات بحسب التصريحات الصادرة حول عرض تطورات الأوضاع في السودان، والتأكيد على ما تصفه الحكومة بدور التدخلات الخارجية في إطالة أمد الحرب، مع التركيز بشكل خاص على اتهام دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع. كما تناولت النقاشات التحديات الإنسانية، وفجوة تمويل المساعدات، وسبل تحسين وصول الإغاثة، إلى جانب التأكيد على أهمية الحفاظ على أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي. وفي سياق تحركاته، أرادت حكومة بورتسودان كما زعمت، أن تقدم رواية رسمية تعتبر أن الحكومة تمثل إرادة الدولة في مواجهة التمرد، وتنفي في الوقت ذاته أي صلة لها بتيارات سياسية مثيرة للجدل، مؤكدًا أن الشعب السوداني يتطلع إلى السلام وأن الحرب فُرضت عليه بفعل التدخلات الخارجية.
ولقد فات على “فطنة” أهل الحكم، ومن خلفهم دولًا إقليمية معروفة بدعمها للحكومة في بورتسودان، أن في السياسة الدولية لا تكفي كثافة الحركة وحدها لتعويض فقر الرؤية، ولا تُنتج اللقاءات مهما تكاثرت وزنًا إن لم تُسندها قراءة دقيقة لموازين القوى. ذلك هو المأزق الحقيقي الذي تواجهه جولات بعض المسؤولين السودانيين في واشنطن اليوم؛ إذ تتحول الزيارات إلى استعراض سردي، بينما يظل الواقع الدولي عصيًا على التكيّف مع خطاب مُبسّط. ومن يقرأ ما طُرح في تلك اللقاءات مع هؤلاء الأعضاء، يدرك سريعًا أن ما جرى لا يعد اختراقًا دبلوماسيًا بقدر ما هو محاولة لبناء رواية، وذلك للأسباب التالية؛ أولًا؛ وهم التأثير… حين يُختزل القرار الأمريكي في مجرد لقاءات؛ فالخلل الأول يبدأ من تصور أن هذه اللقاءات يمكن أن تُحدث تحولًا في السياسة الأمريكية. فواشنطن لا تُدار عبر مقابلات ثنائية، بل عبر شبكة معقدة من الأنشطة المستمرة لمؤسسات الأمن القومي، ووزارة الخارجية، وجماعات الضغط المختلفة، وأخيرًا حسابات المصالح الاقتصادية والعسكرية. من حيث المبدأ، الكونغرس مهم، نعم… لكنه ليس صانع القرار الوحيد، بل أحيانًا ليس الأكثر تأثيرًا في الملفات الخارجية الحساسة. ثانيًا؛ معضلة استهداف الحليف؛ وهو الطرح الذي يقوم على مطالبة الولايات المتحدة بالضغط الحاسم على الإمارات. حيث يصطدم هذا المطلب بحقيقة جوهرية لا يمكن تجاوزها، وهي أن الإمارات شريك استراتيجي لواشنطن في الأمن الإقليمي والاقتصاد والاستثمار وترتيبات الشرق الأوسط الأوسع. بالتالي، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذا المطلب هو لربما تعديل سلوك… لا كسره كما يخيّل للمستشار، أما الرهان على قطيعة أو انقلاب في الموقف الأمريكي، فهو رهان على غير الممكن. ثالثًا؛ خطر التبسيط في اختزال الصراع… حين يُختزل المشهد السوداني بكل تعقيداته في “فاعل خارجي واحد”، فإن ذلك لا يُقنع صانع القرار الدولي، بل يُفقد الخطاب مصداقيته. فالصراع في السودان متعدد الأطراف، ومعقد الجذور، ومتشابك مع تاريخ طويل من التداخلات الداخلية والخارجية، وأي خطاب يتجاهل هذا التعقيد يُقرأ في واشنطن “كدعاية سياسية”، لا كتحليل جاد. رابعًا؛ أزمة المصداقية… حين يتناقض الخطاب مع الوقائع. من أخطر ما يضعف هذه الجهود هو التناقض الظاهر في الرسائل؛ نفي قاطع لأي صلة بقوى سياسية مؤثرة تاريخيًا مقابل واقع معروف لدى دوائر صنع القرار. واشنطن لا تبني مواقفها على التصريحات، بل على التقارير الاستخباراتية والتي تعد عصب علاقاتها الخارجية، وكذلك سجلات العلاقات وتوازنات النفوذ داخل الدولة. وحين يظهر التباين بين الخطاب والواقع، تُفقد الثقة… ومعها يتآكل أي تأثير محتمل. خامسًا؛ معركة السرد… لا معركة القرار؛ ما يجري في هذه الجولات هو في جوهره محاولة للسيطرة على الرواية (Narrative)، وهذا في اعتقادي مشروع، لكنه ليس كافيًا، لأن القرار النهائي يُبنى على المصالح، لا على السرديات وحدها.
سادسًا؛ لماذا ستفشل هذه الجهود؟ لأنها تقوم على ثلاث فرضيات غير دقيقة؛ أن واشنطن ستغيّر سياساتها تحت ضغط أخلاقي، وأن الكونغرس قادر وحده على فرض هذا التغيير، وأن تبسيط الصراع يخدم الإقناع الدولي، وكلها فرضيات هشة تصطدم بالواقع اصطدام رأس.
ولا أدري ما إذا كان المستشار يعي أن السياسة لا تُدار بالأماني، وأن المشكلة ليست في السفر إلى واشنطن، ولا في طرق الأبواب، ولا حتى في محاولة كسب التعاطف، ولا في الاعتقاد أن العالم سيعيد تشكيل نفسه ليتوافق مع روايتنا. فالحقيقة الأكثر قسوة هي هذه؛ من لا يملك مشروعًا داخليًا متماسكًا، لن يُنقذه الخارج مهما أنصت له. واشنطن قد تستمع، وقد تُبدي تعاطفًا، وقد تُصدر بيانات… لكنها لن تخوض معارك الآخرين نيابةً عنهم، ولن تُفكك تحالفاتها من أجل خطاب غير مكتمل. أما السودان، فمأساته لم تكن يومًا في نقص الوسطاء، بل في فائض الأوهام. وهنا يعود سؤالك الأول، لا كسخرية بل كحقيقة سياسية مُرّة؛ لا يُصلح ذاتُ النهج ما أفسده، ما لم يتغير جوهره.
لا يعود المشهد بحاجة إلى كثير تأويل؛ فواشنطن التي يُراد استمالتها ليست كيانًا واحدًا متماسكًا، بل ساحة صراع سياسي حاد بين معسكرين متقابلين الديمقراطيون من جهة، وإدارة Donald Trump ومعها التيار الجمهوري من جهة أخرى. هذا الانقسام ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو جوهر الحالة الأمريكية الراهنة؛ إذ تتنازع المؤسستان التشريعية والتنفيذية في كثير من الملفات، وتتباين الرؤى حتى داخل الحزب الواحد، مما يجعل أي رهان على تحويل لقاءات محدودة مع طرف بعينه إلى سياسة دولة رهانًا ساذجًا من الأساس. فالديمقراطي الذي يستمع اليوم قد لا يملك سلطة القرار غدًا، والجمهوري الذي يمسك بمفاتيح الإدارة قد لا يرى في تلك اللقاءات ما يستوجب الالتفات أصلًا، وهكذا تتحول الجهود، مهما بُذل فيها من جهد، إلى أصوات تتردد داخل قاعة منقسمة، لا إلى قرار يُصاغ داخل دولة موحّدة الإرادة.
والحقيقة الأكثر شروقًا، إذا ما انتقلنا من الداخل الأمريكي إلى دوائر الفعل الحقيقي في الملف السوداني، تتضح المفارقة أكثر قسوة؛ فالقضية لم تعد حبيسة أروقة الكونغرس، بل أصبحت جزءًا من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع، حيث تتقدم “الرباعية” بوصفها الإطار الأكثر تأثيرًا، وفي قلبها الامارات العربية المتحدة، كلاعب لا يمكن القفز فوقه أو عزله بخطاب إنشائي. ومن هنا، فإن المطالبة بضغط أمريكي حاسم على شريك استراتيجي داخل نفس المنظومة ليست مجرد صعوبة سياسية، بل تناقض بنيوي ينسف الفكرة من جذورها؛ إذ لا يمكن لمنظومة واحدة أن تنقلب على أحد أعمدتها الأساسية دون أن تهتز هي نفسها.
غير أن ما يجعل هذه الزيارة أكثر إشكالًا ليس فقط خطأ التقدير في قراءة موازين القوى، بل الثقل السياسي الذي تحمله على كتفيها؛ ثقل إرثٍ لم يُحسم، وسرديةٍ لم تُقنع، وملفٍ ظل حاضرًا في ذاكرة واشنطن لعقود؛ ملف التطرف والإرهاب. فالولايات المتحدة، بمؤسساتها المختلفة، لا تتعامل مع الحاضر بمعزل عن الماضي، بل تبني قراءتها على تراكم طويل من التقارير والتصنيفات والعلاقات. والسودان في نظر تلك الدوائر ليس صفحة بيضاء، بل سجل معقّد شهد في فترات سابقة إدراج الدولة نفسها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وما تلا ذلك من مفاوضات شاقة للخروج من ذلك التصنيف. هذا الإرث لا يُمحى بخطاب، ولا يُلغى بلقاء، ولا يُعاد تعريفه ببيان سياسي؛ بل يظل عاملًا ضاغطًا يلوّن كل محاولة للتقارب، ويجعل أي ادعاء بالقطيعة التامة مع الماضي محل تساؤل لا تسليم. ومن هنا تتجلى المفارقة الأكثر حدّة؛ أن يأتي خطاب يسعى لاكتساب ثقة واشنطن، بينما يحمل في طياته دفاعًا عن بنية سياسية لم تُقدّم بعدُ ما يكفي لإقناع تلك الدوائر بأنها تجاوزت إرثها القديم فعلاً، لا قولًا. فالثقة في العلاقات الدولية لا تُمنح على أساس النوايا، بل تُبنى على شواهد متراكمة من التحول الحقيقي، وهو ما لا تصنعه الزيارات القصيرة ولا التصريحات المنمقة.
وعليه، فإن المحصلة لا تبدو مجرد تعثر ظرفي، بل فشل يكاد يكون محتومًا من حيث الموضوع والتوقيت معًا؛ فزيارة تقوم على مخاطبة طرف منقسم داخل واشنطن، وتتجاهل ثقل الرباعية ومصالحها، وتحاول القفز فوق إرثٍ معقد لم يُحسم بعد، لا يمكن أن تنتج أكثر من تعاطف لفظي أو وعود مؤجلة. أما القرار الحقيقي، فسيظل يُصاغ في مكان آخر، وبمعايير أخرى، لا مكان فيها للأوهام. وهكذا تعود الخلاصة، أكثر قسوة ووضوحًا؛ ليست المشكلة في الطريق إلى واشنطن، بل في الحمولة التي تُحمل إليها. فمن يأتي مثقلًا بتاريخ لم يُفكك، وبخطاب لم ينضج، وبقراءة لموازين القوى يغلب عليها التمني، لن يجد في واشنطن ما يُنقذه من تناقضاته، بل سيجد مرآةً تعكسها عليه ببرود السياسة وصلابتها.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم