المشهد السنوي .. بقلم: الفضل الحاج عبد اللطيف
19 مايو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
الإسبوع الأخير قبل رمضان: ترتفع أسعار السلع إرتفاعاً جنونياً، ففي شعبان يصيب التجار الجشع ويصيب المستهلك الهلع. فيتهافت الجميع على شراء مستلزمات رمضان، فيزداد الطلب ويجد السوق فرصته في فرض أسعاره. ولا يتعلق الأمر بالأفراد وحدهم بل بالجماعات من مؤسسات وهيئات حكومية ومنظمات خيرية وكلها تقبل على شراء تلك السلع لتوزيعها على منسوبيها وعلى المحتاجين وغير المحتاجين. ولو صبر ذلك المواطن (المخلوع) لوصلته (الحقيبة الرمضانية) إلى باب بيته، وليس عليه سوى أن يدفع (حق الأمجاد) أو أن يستعين بصديق من أصحاب المركبات الخاصة.
وهناك بلا شك من لا ينتمي إلى أي مؤسسة وعليه أن يواجه السوق بمفرده ليجد أن من سبقوه قد تسببوا في قلة المخزون وإرتفاع الأسعار، وعليه في هذه الحالة أن ينتظر الأسبوع الأول من رمضان. ففي بداية رمضان تخرج تلك السلع من جحورها في المخازن التجارية والمنزلية لتعود إلى السوق فتغرقه فيعود السعر إلى أصله، بل ربما أقل قليلاً إذا إستطعت أن تصطاد السلعة في طريقها من المخزن إلى السوق.
بعض المؤسسات توزع ما يسمى بحقيبة رمضان مجاناً، وبعضها يبيعها بالأقساط المريحة لموظفيها، وقد يجد الشخص أن حقيبته قد زادت عن حاجته، وربما كان كريماً فيوزعها على المحتاجين (أو غير المحتاجين) من الأهل والأصدقاء والأسر المتعففة، وقد يكون محتاجاً للمال فيحملها إلى السوق (لإعادة تدويرها) ربما بدافع من حاجته للنقد لأغراض أخرى تتعلق برمضان أو ما يليه.
ثم يأتي الأسبوع الثالث من رمضان، ويكون الناس قد تخلصوا من آثار الجولة الشرائية الأولى ليطل عليهم السوق ببدعة جديدة، فالعيد على الأبواب، وهناك مستلزمات العيد من حلوى وملابس وألعاب والقائمة طويلة. وتزدحم الأسواق مرة أخرى، وهنا أيضاً يلعب الجشع والهلع دوريهما في نفوس الباعة والمستهلكين فالإنسان بطبعه كائن إستهلاكي، والسوق مليء بكل ما تشتهي الأنفس، وما تشتهي الأنفس لا يسعه مال، فسعوه بضبط النفس.
وما أن ينقضي شهران بعد رمضان وما أن يستفيق محدودو الدخل من أقساط رمضان وعيده حتى يطل عليهم عيد جديد وتبدأ نوبة جديدة من التسوق مع إختلاف المشتريات. وعلى رأس قائمة التسوق تأتي الخراف والتي تصبح أسعارها (خرافية) في العشرة الأوائل من ذي الحجة، وهنا أيضاً تتدخل المؤسسات التي أصبحت تقوم بدور الدلالية في توفير السلع المختلفة بالتقسيط (غير المريح)، -فبدلاً من أن تدفع القيمة مرة واحدة عليك أن تستمر في معاناة توفير القسط الواجب السداد لمدة عام كامل. أما إذا أردت أن تحصل على الخروف بقيمة أقل فعليك أن تشتريه بعد طلوع شمس يوم العيد حيث ينخفض سعره إنخفاضاً طفيفاً ليعاود الإرتفاع مع عودة الحجيج إلى ديارهم.
ولا تنتهي قائمة المشتروات بالخروف وتوابعه ولكنها تتسع لتشمل لعب الأطفال وهدوم العيد رغم أن ملابس العيد السابق لا تزال بجدتها. وبالإضافة إلى كون تلك المناسبات فرصة للباعة، فهي تمثل فرصة لفئات أخرى لا دخل لها بالتسوق أو البيع أو الشراء، حيث تصبح موسماً للنشالين الذين ينتشرون في مواقف المواصلات وفي المحلات التجارية المكشوفة أو حتى في زحام شوارع السوق الذي يؤمه البعض لمجرد الفرجة، وهناك فئة أخرى هم ما يسمونهم أصحاب القلوب المريضة الذين يستغلون الأسواق لدوافع جنسية بحتة تقع تحت طائلة التحرش اللفظي أو الفعلي.
ومع توفر إحتياجات المستهلكين في أسواق الأحياء أو في أوساط الباعة المتجولين الذين يطرقون أبواب البيوت لعرض بضائعهم، فليس هناك مبرر لكل ذلك الزحام والتهافت على الشراء.
ولا يتوقف الحد عند العيدين، بل يتواصل العرض ويتواصل التسوق في مناسبات وأعياد أخرى صنعتها لنا الرأسمالية الانتهازية لتستولي بها على أموالنا التي بذلنا فيها جهدنا ووقتنا.
وفي النفس للحديث بقية
fadulabdellatif@yahoo.com
//////////////////