أحسب أنه من الضروري التمهيد لهذه العُجالة عن تداعيات الانتخابات السُّودانية لعام 2010 التي جاءت لإنفاذ أحد استحقاقات اتفاقية نيفاشا للسلام، وقد شابها الكثير من أحاديث عمليات تزوير في وسائل الإعلام المختلفة محلياً وعالمياً، ولكن خلاصة الأمر أنها فرضت واقعاً جديداً في الخارطة السياسية السُّودانية، حيث أنها مكّنت تمكيناً واضحاً حزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) من الهيمنة الانتخابية في الشمال، بينما يسَّرت للحركة الشعبية السيطرة انتخابياً على الجنوب، بالحديث ابتداءً عن المفوضية القومية للانتخابات التي ظهرت كمنظومة عاجزة عن أداء مهامها في الأيام الأولى لعمليات الاقتراع، قدحت في صدقيتها المهنية ونزاهتها التنظيمية، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك في إنزال فقه الجُرح والتعديل على بعض مسؤوليها، طعناً فيهم ليس من جهة التنقيص المجرد من المصلحة الوطنية، ولكن من حيث المصلحة الشرعية والوطنية معاً، بُغية التثبت من أمرهم، وإن جاء ذلك متأخراً، ولكن في رأي هؤلاء أنّ التأخير لا يسقط فرضاً ولا واجباً، ويلقون باللائمة على الأحزاب والقوى السياسية المعارضة التي لم تبذل جهداً مقدّراً لإنزال سياسة الجُرح والتعديل على مسؤولي المفوضية القومية للانتخابات قبل أمدٍ بعيد، رغم مجاهدات صحافية هنا وهناك، تحدثت عن شُبهات متعلقة بذمم مالية لبعض مسؤوليها، واعتراضات متصلة بخلل في ممارسات إدارية للبعض الآخر، لم تجد المتابعة التي تفرض المحاسبة، ومن ثم تحدث التغيير، وتأتي بالأقوياء الأمناء، تصديقاً لقوله تعالى: “قالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ”. ومما لا ريب فيه أن من أبرز تداعيات هذه الانتخابات الحديث المكرور عن الخلل والفوضى في عمليات الاقتراع، وقد سارعت المفوضية إلى الإقرار بهذا الخلل، ووصفته بالخلل الفني والإداري، ولكن الكثيرين وصفوه بعدم جاهزية المفوضية لهذا الحدث الكبير، رغم إصرارها على الجاهزية واكتمال الاستعدادات كافة لمواجهة عمليات الاقتراع، حيث أكد الدكتور مختار الأصم مقرر المفوضية في مؤتمر صحافي عقدته المفوضية قبيل البدء في الاقتراع، “سلامة كل الإجراءات التي اتخذتها المفوضية لقيام انتخابات نزيهة”، مشيراً إلى أنهم راجعوا المائة وسبعين مليون ورقة انتخابية.. ورقة ورقة”، وكانت هذه العبارة محل استهجانٍ وتندُّرٍ من قبل البعض بعد حدوث ذلكم الخلل المعيب في اليومين الأولين لأيام الاقتراع الخمسة (11 – 15 إبريل الحالي). لذلك ذهب بعضهم إلى وصف نتائج هذه الانتخابات بالكارثية لإنفراد المؤتمر الوطني شمالاً، والحركة الشعبية جنوباً بالهيئات التشريعية والتنفيذية انتخاباً، أي أنّ الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) لو قررا اتفاقاً انتهاج سياسة جديدة تنقلهما من المشاكسة المستمرة إلى المشاركة الحقة، فالأحزاب والقوى السياسية المعارضة ستكون أمام ثلاثة خيارات: الأول: مزاولة النشاط السياسي والحزبي، وفقاً للقوانين، وهي ترى أن هذه القوانين مقيدة للحريات، ومانعة لاستحقاقات التحول الديمقراطي الحقيقي، فبالتالي تعيقهم في ممارسة نشاط يهدد سلامة الوضع السياسي الراهن. الثاني: العودة إلى تجارب سابقة غير ناجحة، متمثلة في جهاد مدني وكفاح مسلح، وجبهة وطنية أو تجمع وطني… الخ، فقيادات المعارضة أرهقها الأول، والعالم تغيَّر، ولم يعد يقبل الثاني. الثالث: الدخول في فقه الصبر والاصطبار، المتمثل في اتفاقيات مع الحكومة لا تُنفَّذ، وتعهدات مع النظام لا يُوفى بها، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وعلى الرغم من أن هذه المباحث الثلاثة في حاجة إلى دراسة متأنية، إلاّ أنّ الكثيرين ممن يصفون نتائج هذه الانتخابات بالكارثية، وأنها خلقت أزمة سياسية جديدة أمام السُّودانيين بمختلف مشاربهم السياسية، وتباين مذاهبهم الفكرية، بدلاً من أن تعالج الأزمة السياسية الراهنة، لذلك يرى هؤلاء أنّ ما أجمع عليه الفقهاء بأنّ التأخير لا يسقط فرضاً أو يلغي واجباً، وأنّ الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يُتبع بدءاً أو تداركاً، صحيح، عليه أنهم يذهبون إلى ما ذهب إليه أولئك في الاهتداء بسُنّة الجُرح والتعديل، ويجرون ذلك في مسؤولي المفوضية القومية للانتخابات بحثاً في شؤونهم، تداركاً لاختيارات مقبلة لمسؤولي مفوضيات الاستفتاء وأبيي والحدود وغيرها، لأنّ ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، ثم من بعدهم. والجُرح والتعديل قد بدأ في عصر النبوة المبارك، واستمد شرعيته من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض الرجال بما يخدش في عدالتهم، فعن عائشة رضي الله عنها: “أنّ رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم انطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة متى عهدتني فاحشاً، إنّ شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره”، (رواه البخاري). وعن إسماعيل بن صالح بن عليّة قال: “الجُرح أمانة وليس غيبة”. وعن عاصم الأحول قال: “جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه، فقلت: لا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض، فقال: يا أحول: ألا تدري أن الرجل إذا ابتدع فينبغي أن يذكر حتى يحذر“.
أخلص إلى أن قانون الانتخابات لعام 2008 عهد إلى المفوضية بتنظيم الانتخابات في السُّودان؛ هي الأولى من نوعها من حيث الشمول والحجم، لذلك كان من الضروري أن يحدث توافق في اختيار مسؤوليها، كسباً للثقة، وتطميناً للجميع بأنّ هؤلاء المسؤولين ذوو حيدة وصدقية، المأمول فيهم إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وليس انتخابات وُصفت بأنها معلولة ومزوَّرة، ولكن من رضي بها اعترافاً لنتائجها، سواء المكتسحين لها، شمالاً أو جنوباً، هم لم يعترفوا بها لنزاهتها، خاصة الأميركيين والأوروبيين، وإنما لأمر في نفس يعقوب، وجاهروا بهذا الأمر قائلين: إنّ الانتخابات مزوَّرة، ولكننا سنعترف بها من أجل الوصول إلى استقلال جنوب السُّودان، فحتى الانفصال صار عندهم استقلالاً. ولما كانت الألفاظ أوعية المعاني كما يقول اللغويون، فهم يكشفون لنا صراحةً أن الانتخابات بالنسبة لهم كانت معبراً لإنفاذ استحقاق الاستفتاء على تقرير المصير في جنوب السُّودان في يناير 2011 . فقد قال الجنرال سكوت غرايشن مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى السُّودان: “كلنا يعلم أنّ الانتخابات مزورة وواجهت صعوبات عدة، لكننا سوف نعترف بها من أجل الوصول لاستقلال جنوب السُّودان، وتفادي العودة إلى الحرب”. وأنّ الكثيرين بما فيهم بعض مسؤولي الحركة الشعبية قدحوا في صدقية بعض مسؤولي المفوضية المهنية ونزاهتهم التنظيمية، والطعن في حيادهم، وميل هواهم إلى المؤتمر الوطني ضمناً وفعلاً، والتذكير بجهد بعضهم المكتسب من خلال أنظمة شمولية، تسنموا مناصبها العُلى، كل ذلك ليس من باب الغيبة المحرمة، ولا الطعون المذمومة، ولكن من باب المصلحة الوطنية التي أضاعوها، حسب رأي بعض مراقبي الشأن السياسي داخل السُّودان وخارجه. وأختم الحديث عن المفوضية بالمثل العربي الشهير “على نفسها جنت براقش”. والعبرة هنا من ناحية سياسية أن المفوضية لم تُقدِّر الموقف حق قدره، مما أدى إلى انتقادها من قبل الكثيرين محلياً وخارجياً.
في رأيي الخاص أن فوز الرئيس عمر البشير بولاية رئاسية جديدة في أول انتخابات تعددية منذ أكثر من عشرين عاماً، سيلقي على كاهله شخصياً عبئاً وطنياً عظيماً، فهو أمام تحديات وطنية كبرى تتطلب جهوداً مقدَّرةً لمواجهتها في المرحلة المقبلة. والمأمول أنّ يغلب الرئيس البشير الحس الوطني على الحس الحزبي، وذلك من خلال جعل خيار الشراكة الوطنية التي دعا إليها أخيراً خياراً جاذباً، لكافة الأحزاب والقوى السياسية المعارضة، المشاركة أو المقاطعة للانتخابات، لأنها لن تتحمس لهذه الشراكة الوطنية من أجل إنقاذ المؤتمر الوطني من المسؤولية التاريخية إذا انفصل الجنوب – لا قدر الله تعالى- ولكنها بلا شك ستلبي نداء الوطن، إن كانت هذه الشراكة الوطنية تضمنت برنامجاً وطنياً يتواثق عليه الجميع من أجل وحدة السُّودان، وحل مشكلة دارفور، وليس من باب المكايدات الحزبية، بجعل دعوة الحكومة ذات القاعدة العريضة مغانم وقتية أو تكتيكاً لتحجيم الأحزاب السياسية المشاركة فيه أو إحراجها على أقل تقدير، ولكن أن تكون دعوة الشراكة الوطنية دعوة صادقة تهدف إلى التراضي بخيار الحكم القومي من أجل ضمان وجود السُّودان بحدوده التاريخية والجغرافية بعد السادس من يناير 2011. وفي المقابل على الأحزاب والقوى السياسية المعارضة، المشاركة أو المقاطعة للانتخابات، تناسي المرارات وتضميد الجراحات من أجل تضافر جهود الحادبين على وحدة السُّودان، بعيداً عن المكايدات السياسية وأحلام اليقظة الحزبية، لأنّ الذي يتراءى للسودانيين في الأفق السؤال الذي يناجي فيه هاملت نفسه قائلاً: “أكون أو لا أكون تلك هي المشكلة!”، ولكن السُّودانيين يناجون أنفسهم هذه الأيام قائلين: “سودان أو لا سودان تلك هي القضية!”. والمأمول من بعض قياديي المؤتمر الوطني تقديم العون الصادق لخيار الشراكة الوطنية، والعمل على تسويقها بأسلوب لطيف للأحزاب والقوى السياسية المعارضة لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة، قبل أن نذكِّرهم وأنفسنا بقصة دخنتوس بنت لقيط بن زاره مع طليقها عمرو بن عداس، والتي جرت مثلاً يضرب بين الناس “الصيف ضيعت اللبن”، أي على الجميع اغتنام الفرصة والعمل من أجل الوحدة قبل فوات الأوان.. ولات ساعة مندم.
ولنتذاكر جميعاً في هذا الخصوص قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راع في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته“.
وقول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبئ:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مُرادها الأجسام
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم