يقول مثل معروف عند أحد الشّعوب: “إذا وجدت نفسك في باطن هُوّة سحيقة عليك أن تتوقّف عن الحفر.”
صرح حمدوك بأنّه قبل بالعودة لمنصبه للمحافظة على المكاسب الاقتصادية، وهذا تبرير بائس من عدّة مستويات. وهو أيضاً تعبير تنقصه الحسّاسيّة في هذه اللحظات المِفصليّة من مسيرة الثورة التي جعلت الحُرِّيّة والسَّلام والعدالة شعارها الأوَّل.
في البدء، ما هو نفع المكاسب الاقتصادية لأُمّهات وآباء وإخوة وأخوات وصديقات وأصدقاء الشّهيدات والشّهداء، الذين سُفِكت دماءهم الطَّاهرة عبر سنوات الإنقاذ الكالحة وفي مجزرة فضّ الاعتصام وحتى آخر شهيد سقط بالأمس، إذا لم تتمّ مُحاسبة المسؤولين عن قتلهم وتتحقّق العدالة؟
وما هو نفع المكاسب الاقتصادية للمُهجَّرين المدنيّين القابعين في معسكرات النزوح بعيداً عن ديارهم؟
وما نفعها لملايين السودانيين المهاجرين المُشتَّتين في أركان الدُّنيا المختلفة؟ لو كانت المسالة متعلقة فقط بالمكاسب الاقتصادية لما ترك الكثيرون بلادهم بشمسها المُشرقة ودِفء وسماحة أهلها وطيبتهم. هل يظنّ أنّ مبلغ همَّ الناس هو ضمان تعليفهم ومن ثمّ إيصاد الأبواب خلفهم لينعموا بعدها بالأمان والحياة الرّاضية؟
وبجانب هذا وذاك، ألا يعلم أنّ المكاسب الاقتصادية نفسها لا يُمكِن المحافظة عليها حقيقة بصورة مُستدامة في غياب الحُرِّيّة ودولة القانون، وأنّ ما يزعم بأنّه مكاسب اقتصادية، هو عبارة عن منح ومعونات مؤقَّتة يتمّ التّصدُّق بها؟سس.
لقد أثبتت سنوات الإنقاذ الثّلاثين أنّه وفي ظلِّ الحُكم الاستبداديّ استشرى الفساد المالي وتبخَّرت عائدات تصدير البترول، ووزِّعت الأراضي الزراعية السودانية والمياه التي ترويها للأجانب بعقود إيجار هزيلة لمُدد تقارب المائة من الأعوام، وسُمِح لبعض الدُّول المجاورة بوضع يدها على الأراضي المُتاخمة لها مما يهدد بفقدانها تماماً، وتم تهريب انتاج البلاد من الذَّهب دون فائدة تذكر من انتاجه على الناس، كما قيل أنً اللحوم السودانية صارت تباع في أسواق مصر بأقل بكثير من أسعارها في السودان بأيِّ عُملة حسبتها.
ودون استطراد كثير حول ما ينبغي أن يكون قد أصبح معلوماً للجميع، نقول أنّه فقط، عندما يتحقّق مطلب الحُرِّيّة والسَّلام والعدالة ودولة القانون يُمكِن أن يتحدّث النَّاس عن العشم في المكاسب الاقتصادية التي تدوم، لأنّ الحُرِّيّة ستسمح بتسليط الضوء على بُؤر الفساد والحدِّ منه. وفي غياب ذلك، لا يُمكِن حدوث استثمار انتاجي حقيقي يفيد المواطنين ويوفر لهم فرص العمل. كما أنّه لا يوجد ما هو أفضل من مناخ الحُرِّيّة للكشف عن الأخطاء وتصويبها.
تحقيق المكاسب الاقتصادية والمُحافظة عليها لا يتمّ في ظل أنظمة الاستبداد، كما أثبتت التجارب في بلادنا وفي غيرها من بلاد الله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم