بقلم مرتضى القسم عوض الكريم
النفاق الاجتماعي هو أن يُظهر الإنسان قولا لا يعتقد، ويدّعي شعورا لا يُضمر، ويُبدي قيمة لا يؤمن بها في حقيقته، سعيا وراء القبول، وطلبا للمنفعة، وتطلعا لنيل مكانة اجتماعية زائفة وشهرة تافهة رخيصة، وهو تلون في المواقف وتلون في المبادئ، يُظهر خلاف ما يبطن والعياذ بالله، ويقول غير ما يعتقد، فلسانه حلو وقلبه علقم، وظاهره عسل وباطنه حنظل، وهو في حقيقته إنسان مشوه الباطن منكوس الفطرة.
وقد تنبه كبار المفكرين إلى خطورة هذا الداء، فهذا ابن خلدون يرى في مقدمته أن القهر والاستبداد يربي في النفس أخلاقا مذمومة، فيلجأ المقهور إلى التملق والكذب والمداهنة ليتقي بطش القاهر، وهذا عالم الاجتماع علي الوردي يسميه ازدواجية الشخصية، فيقول إن المجتمع الذي يقدس العادات على حساب الحقيقة يصنع من أفراده ممثلين بارعين، كل واحد يمثل دور الصلاح وهو في داخله يلعن ذلك الدور، وهذا الأديب نجيب محفوظ يلخصه بقوله إن النفاق هو الذي يجعل الناس سعداء، أما الحقيقة فتجعلهم يتعذبون، وهذا جان جاك روسو يرى أن الإنسان يولد طيبا وصادقا، ولكن المجتمع هو الذي يعلمه الأقنعة، ويولد الإنسان حرا والمجتمع هو الذي يقيده بسلاسل الرياء.
ويأتي الإمام عبد الرحمن الكواكبي ليضع يده على الجرح في كتابه الخالد طبائع الاستبداد، فيرى أن الاستبداد هو أصل الداء ومنبع البلاء، وأنه هو الذي يفسد النفوس فيحيلها من نفوس صادقة إلى نفوس منافقة، فالمستبد يطلب من الناس أن يمجدوه وأن يتملقوا له، فيضطر الضعيف إلى أن يظهر خلاف ما يبطن وأن يتزلف بالكذب وأن يتقرب بالرياء، فينشأ في الأمة جيل من المنافقين المداهنين الذين يمدحون في الحضور ويذمون في الغياب، ويتخذون الكذب حرفة والتملق وسيلة، حتى يصبح النفاق خلقا عاما وعادة سارية، فتضيع الأمانة وتفسد الأخلاق ويموت الصدق، وما الأمة التي يفشو فيها النفاق إلا أمة مريضة قد أكل الاستبداد قلبها، فلا هي قادرة على أن تقول الحق ولا هي قادرة على أن تنصر أهله.
ومن صوره الشائعة الذائعة أن ترى الرجل يمدح المسؤول وذا النفوذ في حضوره تزلفا وتملقا، ثم يذمه ويطعن فيه بعد انصرافه، ونسي أن رضا الله أولى وأبقى، ومنها أن ترى التقدير والاحترام يبذل لشخص لا لخلقه ودينه ولا لعلمه وأدبه، بل لمنصبه وماله وجاهه، فإذا زال المنصب زالت الحفاوة وإذا ذهب المال ذهب التقدير، ومنها الدفاع عن مبادئ براقة وشعارات رنانة حتى إذا مست المصالح الشخصية واصطدمت بالمنافع الذاتية نكص على عقبيه وارتد على أدباره، ومنها نشر صور الأعمال الخيرية ومقاطع العطاء لا رغبة في مساعدة المحتاجين وسد حاجة المعوزين، بل طلبا للشهرة والرياء وحبا للظهور والثناء ولهثا وراء الأضواء.
وليس النفاق الاجتماعي حكرا على شعب بعينه ولا وصمة في جبين دولة بذاتها، بل هو ظاهرة إنسانية عالمية وآفة اجتماعية قديمة، غير أن مجتمعنا السوداني الأصيل المعروف بالشهامة والكرم والصدق والبساطة ليس بمعزل عنها، وقد أفرزت ظروف الحرب والنزوح والضائقة المعيشية صورا تستدعي الوقوف، فمن جانب أظهرت أروع صور التكافل والشهامة التي شهد لها العالم، ومن جانب آخر كشفت بعض صور نفاق الأزمات حيث يظهر البعض تعاطفا مصطنعا على وسائل التواصل بينما يمارس في واقعه الاحتكار والمغالاة، ونفاق المظاهر حيث ينشغل البعض بالتباهي والتصوير في وقت يحتاج المجتمع فيه إلى العمل الصامت والبذل الخفي، ونفاق الخطاب حيث تردد شعارات كبيرة عن الوطنية والأخلاق بينما الممارسة اليومية تقوم على الأنانية.
وإذا أصيب شعب بهذه الظاهرة المقيتة وهذه الآفة الخبيثة لن تقوم له قائمة ولن تعلو له راية ولن يرتفع له بنيان، لأنه مجتمع قاتل للعفوية والتلقائية والسلاسة والبساطة، وعاشق للعقد والنفاق والتصنع بامتياز، وإن أبلغ رد على المنافقين هو عدم الاكتراث بهم، ونشر ثقافة الصدق والشفافية، وتقدير الإنسان لعمله لا لمظهره ولخلقه لا لمنصبه، حتى تعود الأمة إلى جوهرها الأصيل صدقا في القول وإخلاصا في العمل وسريرة كالعلانية، وقد قال مالك بن دينار من علامات المنافق أنه يحب أن ينفرد بالصيت.
