بلى هبّ صاحبنا هبوب الدبور فدبت الحياة في أوصاله بعد إغفاءة، كانت تحييه، آنفاً، فتانة العينين من نواحي حزيمة أم من البخيت شرق مروي! تلك التي إذ نفحت شيخاً روائحها شبًّ، كما قد علمت دأبه الدهر، تجزيه ليلى بالنوى ويزورها، ما الذي أنهضه اليوم بعد سباتٍ؟ لعل صياح الديك، ديك بني نمير هو ما أيقظه، لأول فور انتباهته سألني ماذا قال الدكتور عبد الله إذ هو بالقاعة الأكبر في مدرسة العلوم الرياضية؟
في ندوة العلامة عبد الله الطيب جلسنا، فرح وأنا، نستمعُ لأحاديث عالمين جليلين من علماء جامعة الخرطوم، ظلا يتبادلان الحديث حول قصيدة السحاب للشاعر الإنجليزي “بيرثي شيلي” كان الموضوع يقع بين الأدب والفيزياء فانتُدِب للحديث الدكتور عبد الله محمد أحمد والدكتور عبد الملك محمد عبد الرحمن. وكم لذينك الفحلين من رأي حصيف وحكمةٍ إذ التبست في المعضلات أمورها، سقيا لهما.
منذ التقيت بالفاضل فرح، متى كان ذلك؟ منذ عقدين أم ثلاثة عقود؟ الله أعلم. كنت على يقين أنّ هذا الرجل قد أوقف عمره على مشروعٍ إصلاحي أراد له “أن يقوم فاحصاً ومدققاً ، ومؤسساً للذات المسلمة، غرضه النهضة بالكلمة والفعل نحو سماء الإسلام، متحرراً من قعر الجهل والتخلف والجمود والرجعية” ثم التقيته بالأمس فلمست لديه إحساساً بالمرارة، علمت لاحقاً أن منشأها تبني بعض رفاقه خطة تحول لتيار زعموا أنه للتفكير الإسلامي وأنّه يبغي النهضة لولا أنه متحيز لفئة من فلول النظام الساقط، ثم سرعان ما عكف مع رفاقه على ترميم ما تصدّع من بنيانهم وجلاء أشواقهم لنهضة كما تصوروها، متحررة من الجهل والرجعية، وأي رجعية وجمود وتخلف أدهى وأمر من أن تهيب طائفة من الناس، بدواعي العجز والحصر والخمول العقلي إلى اتباع السياسي الإنقاذي “أمين حسن عمر” فتقدمه حادياً إلى “نهضةٍ” متوهمة! وأي وهمٍ أكبر، كيف ساغ ذلك قال صاحبي، إنّ هذا لشيء عجاب.
كيف كانت شواهد الدكتور عبد الله محمد أحمد وتصاويره البديعة لخفة العقل، بل لوثته؟
كان تمثّل كلمة لأبي الهندي وقد أطار السُكر عقله فقال يصف حاله، أم حال أصدقائنا هؤلاء؟!
شربنا شربةً من ذات عرقٍ … بأطراف الزجاج من العصير
وأخرى بالمروح، ثم رحنا … نرى العصفور أعظم من بعير
كأن الديك ديك بني تميم … أمير المؤمنين على السرير
هكذا بدت الملهاة، سوى أن هذا الديك، الذي يزدهيه عجب النفس، ديك “عمر البشير” لا الأشراف الجحاجيح من بني نمير.
وقد وقفت على مفارقة طريفة أوردها الدكتور عبد الله علي إبراهيم في معرض كلمة له عن هذه الوهدة وقد عاد لكتاب الدكتور الترابي “المرأة بين الإسلام وتقاليد المجتمع” ولقانون الأحوال الشخصية لسنة ١٩٩١ ليرى ما يسعه للاستنارة به منهما في بعض شأنه قال: “فوجئت بأن ما بين القانون والكتاب، الذي هو ميثاق الحركة الإسلامية مع النساء، خصام بليغ. فكأن واضع القانون لم يقرأ الكتاب وحسب بل أنه لو وجده لحرقه في رابعة النهار. وبدت لي خيانة الحركة للنساء كما لم يسفر عنها حتى قانون النظام العام..”
هذه بعض أحوال الفصام الذي يتلبس السياسي الإسلاموي “أمين حسن عمر” فهو ينزع إلى الخيانة والخصومة مع كل أفكار الترابي ورؤاه متى كان في السلطة، لكنه مؤمن بها عامل على النهضة بها متى سلبه الله ملكه، وهو من قال يوماً، على مذهبه الأثير في التسافه والجفاء والجهالة الجهلاء، إذ هو في حمأة الخصومة التي توحّل في قيعانها طويلاً، قال ليغمط الترابي حقه: “الفكر الإسلامي لا يحتاج للترابي، فكي في وسط النساء في حلة، يمكن أن يكون مفكرا إسلامياً..” ربما لهذه الخصلة اختاره النشامى الأماجد هؤلاء رائداً لتيارهم يتوهمون أنه قد أحاط بالفكر الإسلامي خبرا هرعوا إليه.
في حديثه الشيّق بندوة العلامة عبد الله الطيب، حيث كنا فرح وأنا، قال الحبر الأكبر عبد الله محمد أحمد إنّ الترجمة متى أغفلت روح النص الأدبي أضرت بالمعاني أشد الضرر ثم ذكر أن كسرى سمع يوماً الشاعر الأعشى ينشد، فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا مغني العرب، فأنشد:
أَرِقْتُ وما هذا السُّهادُ المُؤَرِّقُ … وما بيَ من سُقْمِ وما بيَ مَعْشَقُ
فقال كسرى: فسروا لنا ما قال! قالوا: ذكر أنه سهر من غير سقمٍ ولا عشق! فقال: إن كان سهِرَ من غير سقم ولا عشق فهو لص!
بلى. سهر فرح طويلاً، وما به من سقم وإن كان به معشق أحايين كثيرة، لكن أطول سهره كان في العمل على بناء مشروع إصلاحي غرضه النهضة الحقة إلى أعلى عليين لا الركون إلى الذين ظلموا فتشدهم أثقالهم إلى دركات سحيقة، لذلك أدرك هو ورفاقه بحسهم السليم أنّ تلك وهدة لا نهضة وكانوا أعمق حكمة حين اجتنبوا أيما سبيل للتلاقي مع طائفة معطوبة أخلاقياً، لكنها تعاني فصاماً نكداً بين واقع تجاريبها الفاسدة في السياسة والحكم التي ما تزال شاخصة وبين تلبسها لبوس المجددين من رجالات الفكر الإسلامي وظنهم أنّ من ورط في الخيبة والفشل حتى أذنيه عنده مفاتح الحكمة، إنّ هذا أمر مريج.
لن يدرك القدامى المنغلقون على ماضيهم البائد طرائق التفكير لدى هذه الأجيال الناهضة، وهي تجد أن مجرد الدعوة لتكرار الخيبات الكبار، باستدعاء ذات الشخوص من ذوي الجهالة والغلظة والتعصب اليابس مما يتناقض مع أخلاق الدعاة، والتغاضي عن كل أخطاء الماضي كأن شيئاً لم يكن، فيه استهانة بالغة بعقول الناشئة من الشباب المسلمين الذين برئوا من الخطايا التي قارفها سلفهم الطالح على مدى ثلاثة عقود من الحكم الفاشي، أزروا خلالها بكل التراث الإسلامي حتى بغّضوا الناس في الدين وأغروا بعض الشباب بالإلحاد، ولا يزالون يصرون على الحنث العظيم، كما تنطوي محاولة بعث الموتى وإحياء الرميم على ازدراء عظيم لعقول الناس وفي عبارة الدكتور منصور خالد: “تؤكد التجارب أنّ محاولة القدامى إعادة إنتاج أنفسهم كانت دوماً بأسوأ ما فيها” فكيف بها وهي أنفس أشحة على الخير، شمولية، مستبدة تؤمن بأنها هي دون الآخر الحامي للحقيقة الموحى وتقتفي أثر الكهنوت المسيحي: “لا مكان إلا داخل الكنيسة”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم