الوئام والإدانة: قصة جريحين .. بقلم: عزالدين أحمد عبدالحليم

 

ربما تكون الفتاة خرجت عن المألوف والمتوقع فى الطريفة والاسلوب بنظر البعض ، ربما ، ولكن للحكاية جذور .

يكاد الشباب السودانى ان يكون الاكثر تعرضاً للظلم والعسف فى العالم ، تسيطر الهيمنة الابوية على البيئة والبيت والمجتمع منذ زمن ، التعبير عن الرأى فى معظم الحالات قلة أدب وخروج عن الطاعة ، تدخلات فى الحياة الشخصية تتجاوز الرأى والنصيحة لتصل الى فرض زوج/ زوجة وتحديد طريقة ومراسيم الزواج ، المسار الاكاديمى والمهنى وغيره .
هيمنة من الكبار شبه كاملة على الوظائف القيادية فى القطاعين الخاص والعام والمنابر الاعلامية والندوات الخ ، ظل الحال كذلك من ما قبل المهدية حيث الكبار غالب الاحيان هم اهل العقد والحل ولا مكان للبطان الذين ينحصر دورهم فى تنفيذ التوجيهات – غسل الايادى وبسط الموائد .
عندما تبالغ الحكومات فى اكرام الشباب تعقد مؤتمرا يتحث فيه كل أحد عداهم ينتهى بأن ( الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل) ، جملة اصبحت كريهة تبعث الاشمئزاز من فرط تكرارها ، ظلت على الدوام تتردد على شفاه ا نفس الاشخاص الاكتوبريين يعيدون المعاد يشبعون شهوة تصدر المجالس والذات المتضخمة ،وظللت شخصيا اسمعها منذ الثمانينات ، ومن ثم لا شيى لابعدها ، لم نرى الا فى القليل النادر الانشطة والبرامج -الورش – الفرص والخطط الموجهة للشباب .
البرامج التلفزيونية والاذاعية كأنها أعدت على نسخ كربونية وزعت على الضيوف والمقدمين ، اروع ايام كانت زمان ، اقضل الاغانى – الكتب الكٌتاب – الاشعار كانت زمان ، افضل اللاعبين ايضا كانوا زمان…. زمان زمان زمان … الحاضر لاشيى يتحول (زمان) وناسه الى حبل غليظ يلتف حول اعناق الشباب حيث لافكاك ، لذلك ترى حياتنا نحن بنى السودان عبارة عن سلسلة مملة من التكرار فى العادات والاحاديث والجٌمل والمصطلحات والسلوك .
الجيل الحالى من الشباب نشأ قى ظل اهوال وصعاب لم يمر بها من سبقه من اجيال ولا بنصفها ، فهم ليسوا من الذين كان يأتيهم رزقهم رغدا وصُفرة عامرة مجانية فى جامعة الخرطوم ، ولم يجدوا بعثات خارجية حكومية من مكتب القبول بالدولار المدعوم شبه المجانى، ورغم ذلك فقد خرج من تلك المكابدة من الجيل الحالى الالاف اثبتوا نجاعة وتميز فى اول فرصة عادلة اتيحت لهم فى الخليج وفى اوروبا وفيهم من عمل كمسارى حافلة نقل مساء ليكمل تعليمه صباحاُ .
فى الديموقراطيات كانت الاحزاب الكبيرة تستأثر شبابها بالخيرات ، الوظائف المنح والبعثات وغيرها وإن كان الحال افضل منه فى زمن العسكر ، حيث كان هناك نوع ما من العدالة والحرية ‘ فى الانقاذ الشباب هم فقط كل من ينتمى الى الاتحاد الوطنى للشباب السودانى وكلنا يعلم ماهو .
و اذن فقد خرجت الفتاة عن (الادب والوقار والاحترام) بنظر البعض ، وهددت وزلزلت اركان الدين بنظر آخرين ، فقد رأينا مفطعا لاحد الشيوخ متوتراُ منفعلاُ غيرة على الدين يتسائل اين توقير الكبير ورحمة الصغير ؟ ونحن ايضا ايضا نضم صوتنا اليه نجول بالبصر ونرجعه كرتين باحثين عن الرحمة فلا نجد سوى اطفال المدارس غرقى المركب ، اطفال كسلا ورجالها تحصدهم الحمي حصداً ، اطفال غرب السودان تحت الشجر يدرسون .
وللذين يتوقون للادانة نقول : تمهلوا ولننظر فى ميراث الاحترام وأدب الخلاف والاختلاف ، هل رأى احدكم شيئا منه عندما تفاصل أهل الدين فى رمضان ؟ الم يحولوا ذات التلفزيزن الذى مجدوا به شيخهم ورفعوه مكاناً عليا الى مسرح للعبث به ومنه وجعلوه كالاراجوز ؟
صلت الامور بين من اتى باسم الدين الى السجن وبيوت الاشباح والتضييف فى المعاش حتى إضطروا فراراُ الى الدول المارقة ينشدون فيها الحرية والسلامة والسماحة وسعة الصدر لكل رأى ودين .
فى بلادنا التى تفيض بالحشمة والادب عشرات الصحف الرياضية تبث السموم يوميا تحت سمع وبصر كل محبى وعشاق الإحترام والعادات والتقاليد ، يتم فى هذه الصحف إستخدام ابشع واقذر الكلمات فى حق المخالفين والمختلفين والخصوم حتى لو كانوا يتبعون نفس النادى ،والائمو ةالدعاة ومجلس الصحافة انما سُكرت ابصارهم وهم لا يبصرون .
غالب كتاب النظام ودعاته الاسلاميين وائمته كانوا ومازالوا – وسيظلون غالبا – يشتمون باقذع العبارات كل من خالفهم الرأى ، يقولون ضدهم ما ليس فيهم ينادونهم بالالقاب والفسوف ، يستوى فى عندهم قى ذلك الصغير والكبير ، العالم – الفقيه – الاكاديمى الشاعر والوزير ، لم يسلم من اذاهم الصادق المهدى على علمه بالدين وسنه ، ولا المرغنى ولا وردى ولا الوزير التوم محمد التوم رحمه الله الذى لاقى ربه بذات المنزل الذى بدأ به حياته ولم نر له ثروة فى حياته او مماته ورغم ذلك سبوه ونسبوا له كل قبيح .
إختفى كل العلماء وحٌماة الفضيلة وإسحق احمد فضل يصف بعض قادة المعارضة السودانيين- المسلمين- المُحصنين- كبار السن بانهم لن يتفقوا على عشرة عاهرات يتقاسمونهن بينهم فى المضاجع (وقد إستخدم كلمة قذرة لم تصدر حتى من عتاة صعاليك العرب ) ولم تقم الدنيا ولم تقعد .
رأينا من المعارضين فنون الاذى والوان العذاب يصبونها صباُ على من اختلف معهم ، نعم عشنا ورأينا كيف كان اهل التجمع يأكلون لحم من إختلف معهم ، وكيف كان الخلاف بين الشيوعى وجماعة حق ثم اهل حق ضد بعضهم الى ان اصبحت حقين ، وغالبنا رأى وسمع كيف كان ادب الاختلاف وتوقير الكبير بين الاحزاب (الكبيرة) والمنشقين عنها والمنشقين عنهم .
فااذا كانت اعلاه نماذج للتعبير والاختلاف بين اهل الدين انفسهم والاحزاب والرياضة ، فما هو الادب الذى خرجت عنه تلك الشابة التى عبرت عن راى يخصها ؟ واذا كان الشباب السودانى يعانى من كل ما ذكرنا ما المشكلة اذا عبر عن نفسه بطريقة حادة معظمنا ان لم يكن كلنا مر بها فى تلك السن وهى شيى عادى ؟ ام ان جوهر الموضوع ان من يُسمون بالائمة والدعاة والسياسيين يريدون ان يُسمعوا فيطاعوا بلا جدال ؟ الم يعلم هؤلاء بامر المرأة التى جادلت بن الخطاب وهو على المنبر عندما اعلن انه اخطأ وانها اصابت .
ليس المطلوب ان نجعل من تلك السيدة بطلة ولا مجرمة فهى شحص قال كلاماً عاديا بطريفته الخاصة ، الاهم ان نتفهم دواعى الإحتقان ونبحث عن المتنفس .

عزالدين أحمد عبدالحليم
23.9.2018

ezaldinn@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً