فاندلعت المظاهرات هنا وهناك في عدد من الولايات تعارض فكرة كونه رئيساً، وصاح البعض بالصوت العالي (إنه ليس رئيسي).. أغضت أشجار الخريف الملونة انكساراً، وتمادت رياح الصباح تكنس الأوراق الجافة المتساقطة وامال ذابلة متداعية، هذه أول مرة يحتج فيها الناخب الأمريكي على فوز رئيس، جاء عبر الانبوب الديمقراطي العريق بصورة شرعية كاملة، في التاسع من نوفمبر، فقدت الديمقراطية الأمريكية روحها الرياضية، حين لم تحتمل الهزيمة.
صباح الامس كانت الطرقات خالية لا أثر لاحتفالات ولا اثر لنأمة فرح، تبدت أمريكا وكأنها أمة آلام من اصيب بجرح غائر، بدت كأمة منهكة، بدت مثل عداء بذل كل مافي وسعه للفوز، وحينما اصبح قاب قوسين أو أدنى من الفوز.. أصابه سوء الطالع، أو أعاقه الشد العضلي.
هبط ليل أوائل الشتاء كئيباً، واغفي الناس أمة منقسمة، شهد الناس في احلامهم، العجلة وهي تدور الى الوارء، تنقض غزل الثمانية سنوات الماضية. الجيران لم يتبادلو التحايا الصباحية كعادتهم، بدا كل الأمر كمزحة سخيفة، وليس كل ما يتمنى المرء يدركه، حدثتني جارة بأنها سعيدة لفوز ترمب، شع وجهها بفرح غير حقيقي، وحدثني جار آخر بأنه يود سؤال كل من أدلي بصوته لترمب “أعطني سببا واحدا يبرر ترشيحك له”، قالها بحزن لم أعهده فيه منذ تعرفي عليه، السيد (بروس) قبل سنوات عديدة، وقال لي، سأذهب يوم التنصيب، ومعي اسود ومسلم واسيوي ويهودي واصيح بوجهه القمئ، هذه هي اميريكا سيدي الرئيس.
لا أحد يعلم ما تخبئه الاقدار، وما الذي سيخرج من معطف هذا الرجل في الاربع سنوات القادمة، ولكن من المؤكد أن للديمقراطية والدستور المرعي سطوتهما، والتي لا يقدر أحد العبث بتقاليدهما الراسخة، مهما اوتي من قدرة على الاستخفاف، والمتأمل لما يدور في العالم الان، يستطيع أن يتفهم الظرف التاريخي الذي هيأ لترمب الفوز، فالامريكيون “البيض” ظلو يبحثون عن مخلص، عن “الكاوبوي” الكاريزماتيك الذي سيعيد لبلادهم هيبتها، لمن يستطيع أن يقف في وجه بوتين ووجه الارهاب ووجه كوريا، وترمب مثال البائع الامريكي المحترف، أستطاع أن يروج بذكاء لبضاعته، فاستطاع أن يقول ما يود سماعه بسطاء زراع “كنتكي”، ولم يحفل كثيراً برأي العارفين، والفنانين والمثقفين، وما اكثرهم من بين اصدقائه، باع ترياق الخوف للمصابين بالذعر من أبناء شعبه، فتهافتو عليه مثل مسيح منتظر.
كسب ترمب الجولة، كسبها لنفسه، وللافتة التي تحمل إسمه في المباني الشاهقة والعقارات، وفي غمرة نشوة أناه العليا، لا نستبعد أن يبيع أحلام ناخبيه، لا نستبعد أن يحقق أهدافاً يفرح لها الليبراليون، فترمب ترشح لترمب وليس لأي من الحزبين، رغم كونه حامل للواء الجمهوري، ولكنه وفي كل مراحل الحملة، لم يكن يظهر أي ولاء للحزب، بل زاد على ذلك سلوكه الشخصي الفاضح المناقض لكل إدعاءات اليمين المحافظ بما يسمي السلوك الاخلاقي القويم، لم يكن “الجمهوري” سوى عربة استقلها لتحقيق مطامحه ومجده الشخصي، وقد يكون مخلب القط لليمين المحافظ لتنفيذ إنقلابهم، فينقلب عليهم مثلما أنقلب كثير من قادة الانقلابات على اوليائهم، حين حسبوهم أغبياء.
سيتبوأ ترمب العرش في ينايركما تقتضي اصول الديمقراطية، وسيحقق حلمه بعد الثراء الفاحش، بالقيادة المطلقة، وسيعلم حين تطأ قدميه بلاط القبة التي في أعلى التل، بأن مجلس الشيوخ ومجلس النواب، بأعضاء يقتربون من الستمائة فارس سياسي، والإعلام بادواته واسنته والسنته الحداد، ينتظرونه بمفاجئات يشيب لها شعر الولدان، وأن الأمر ليس صفقة تجارية، وبالقطع ليس نزهة على قاربه الشهير، جلس ترمب بمحض إرادته على فوهة المدفع.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم