اليوم العالمي للطيور المُهاجرة: (سنَّار – الحاج عبد الله) .. بقلم: شاذلي جعفر شقَّاق

Jou_shagag@hotmail.com
   إنْ أنتَ أرسلتَ بصرَكَ خريفاً أو شتاءً صوبَ الفضاء راصداً أسراب الطير المُهاجرات الصَّافات المُسخَّرات في جَوِّ السماء ..وهززْتَ رأسكَ أو رفعتَ حاجب دهشتِكَ أو اجترحتَ أيَّ صيغة تعجُّبٍ ؛صوتيَّةٍ كانت أو جسد لُغويَّة ؛ إعلَمْ – يا هداك الله – إنَّك إنَّما تنظُر إلى أُمَمٍ مثلنا تماماً ، لها لغاتُها وصَلاتُها ومُكاءها وتسبيحها وتبريحها وفيوض أمومتها وسائر ما للأمم مِن مقوِّمات الحياة ! لها – بمختلِفِ ألوانهاوأشكالها وأحجامها وأصواتها – مثل ما لنا دورٌ  في منظومة هذا الكون للحفاظ على توازنه البيئي وتعدُّده الإحيائي !
  لم تكن وهي تمخُر فضاء الله وتتنكَّب أرضه مخالفةً لقوانين الجوازات أو ضمن المغضوب عليهم من المهاجرين غير الشرعيين ، أو طالبي اللجوء المُشرَّدين لدى المتمنِّعين كما وصفها أمل دنقل :
الطيور مُشرَّدة في السموات ،
ليس لها أنْ تحطَّ على الأرض،
ليس لها غير أن تتقاذفها فلواتُ الرياح
ربما تتنزَّلُ ..
كي تستريح دقائق !!
  إنَّما كانت تنشُد الدفءَ في القارة السمراء مؤقَّتاً للبرودة العالية في الشتاء الأوربي والآسيوي ، بجانب القيام برسالتها الغريزية لصالح التكاثر النباتي ، وتطهير الزرع من الآفات الضارة ، تحملُ – رُغْم هوج الرياح وأضراس الطواحين الهوائيَّة -العِبَرَ والعبراتِ وآياتِ التدبُّرِ في الملكوت الساحر ، والتأمُل المُفضي إلى الغاية التي من أجلها خُلِقَ الثَّقلان ..تفتح شهية النظر والسمع ، تخبئ قوادمُها رسائل الشوق والحنين ودواعي البوْح ومفجِّرات الطاقة الإبداعية والإلهام :
فوقَ النخيل، النجيل، التماثيل
أعمدة الكهرباء
حواف الشبابيك والمشربيَّات
والأسطُح الخرسانية
اهدأ ، ليلتقط القلبُ تنهيدة
والفم العذب تغريدة
والقطُّ الرِّزق !!
   احتفلت الجمعية السودانية للحياة البرية باليوم العالمي للطيور المهاجرة ، بالتركيز على الطيور المحلِّقة المهاجرة في يومي 15- 16 / مايو  2015م تحت شعار (الطاقة لنجعلها صديقةً للطيور ) برعاية الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء .
  وقد اختارت الجمعية هذا العام ولاية سنَّار وولاية الجزيرة (الحاج عبد الله)  مكانين لتنفيذ برنامج الاحتفال .فأمَّا ولاية سنَّار لمشاهدة الطيور على الطبيعة قرب الخزَّان ، وأمَّا (الحاج عبد الله) لوجود قسم توزيع كهرباء جنوب الجزيرة بها ، حيث تكثر خطوط الضغط العالي والأسلاك الكهربائية ، فينتج عن ذلك انقطاع الإمداد الكهربائي عن المواطنين ، لذلك هدفت الجمعية لايجاد حلول للطرفين أو قل عقد صُلح بين الطاقة والطيور المهاجرة !
    تحرَّكت الجمعية صبيحة الجمعة الخامس عشر  من مايو يتقدَّمها رئيسها بروفيسور  إبراهيم محمد هاشم وأمينها العام د. معاوية حسن منصور ، ود. عبد الباقي  ود. مبارك   ود. تهاني علي حسن ولفيف من المختصين من أعضاء الجمعية .
   هناك في خزان سنَّار التأم شمل الجمعية السودانية للحياة البريَّة وطلاَّب جامعة سنَّار – كلية الموارد الطبيعية – الدراسات البيئية – قسم الحياة البرية لمشاهدة الطيور بالخزَّان ..قضوا نهارهم بين (السمْبر) و(الخطَّاف) و (غراب البحر) و (السقد) و(حبيب بلاَّع الدبيب) و (أبو ملعقة) وغيرها من الطيور ، يرصدون حياتها التي فيها معاشها وخلوة قيلولتها ومصادر إزعاجها ومنقِّصات استرخاءها ومهدِّدات إقامتها .
   في المساء تحلَّلتْ سنَّار من مخيط الرَّهق والهجير استعداداً لجلسةٍ ثقافية ناضرة..رقَّتْ أنسامها حتى فاح  تأريخها المجيد وحضارتها التالدة ..احتضنت استراحة مصنع سنَّار للسكَّر – فرع التدريب وفد الجمعية بكرمٍ سودانيٍّ أصيل ..استقبال حاتميِّ وحفاوةٍ ثقافيَّةٍ متعدِّدة المَشارب ، لكأنَّنا بالدكتور محمد عبد الحي وهو يُلقي رائعته (العودة إلى سنَّار) :
بالأمس مرَّ أوّل الطّيور فوقنا، ودار دورتين قبل أن
يغيبَ، كانت كلُّ مرآة على المياه فردوساً
من الفسفورِ – يا حدائق الفسفور والمرايا
أيّتها الشمس التي توهّجتْ واهترَأتْ
في جسد الغياب، ذوبي مرّة أخيرةً،
وانطفئي ..
***
الليلة يستقبلني أهلي
أرواح جدودي تخرج من
فضَّة أحلام النّهر، ومن
ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ
تنفخ في رئةِ المدّاحِ
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبّالْ !
 صدحَ البُلبل ونضحَ الشعر وشرح الوتَر شكواه ونجواه وهيامه ونفح الزَّهرُ  أريجه كحنين الطيور المهاجرة إلى سوسناتها في بلاد البحر المتوسِّط !ثم نامت الطمأنينة أنَّ هذه البلاد أرحب وأكرم من أن تعبر من خلالها مجرَّد عبور أو تستريح  أو تقف لديها هذه الطيور مثل وقفة طائر صلاح أحمد إبراهيم في (الطير المهاجر) :
بالله يا طير
قبل ما تشرب
تمر على بيت صغير
من بابه ومن شباكه
يلمع الف نور
وتلقى الحبيبة بتشتغل
منديل حرير
لحبيب بعيد
تقيف لديها
وتبوس إيديها
وانقل إليها
وفاي ليها
وحبي الأكيد !
  صبيحة السبت السادس عشر من مايو  توجه وفد الجمعية إلى منطقة الحاج عبد الله بولاية الجزيرة حيث يوجد قسم توزيع كهرباء جنوب الجزيرة..تحدَّث للجمعية المهندس يحي اسحاق حمَّاد عن معاناتهم مع الطيور واصطدامها بالأسلاك الكهربائية خصوصاً في  فصل الصيف ، وأوضح أنهم على أتمّ استعداد للتعاون مع الجمعية في مسعاها الذي يحفظ الطيور من جانب ويوفر خدمة الطاقة للموطن من الجانب الآخر  وشارك رئيس الجمعية في رؤيته المستقبلية كمقترح للمعالجة (جلب جهاز طرد الطيور من الأبراج والأسلاك حفاظاً على حياتها أو تغيير مسار الخطوط أو قلب السلك الكهربائي ) !حال توفُّر الإمكانيات، كذلك تفضَّل بقبول طلب الجمعية بإضافة أيقونة في دفتر رصد الحوداث ببيان عدد ونوع الطيور التي اصطدمت في مسارها أو صُعقتْ كهربائيَّاً .
   بعدها عاد الجميع إلى إدارة الكهرباء حيث يُقام البرنامج لتقديم الأوراق العلمية والكلمات ومشاهدة معرض الطيور المهاجرة المصاحب للفعالية ..أدار المنصة الأمين العام لجمعية د. معاية حسن .. قدَّم السيد رئيس الجمعية لإلقاء كلمة اليوم العالمي ، أولاً شكر البروف رئيس قسم الكهرباء والمهندسين على حسن الاستقبال واالتعاون والفهم العميق للمشكل ..وأضح أن حياة الطيور التي تقوم بدور بيولوجيٍّ كبير في أيدي المهندسين ، وأن الهدف ليس ايقاف الإمداد الكهربائي ، إنما تقليل الآثار السالبة على الطيور ، أي التكامل بين الحفاظ على الطيور وإمداد الطاقة في الوقت نفسه .
  تحدث تالياً مدير قسم جنوب الجزيرة للتوزيع الباشمهندس محمد عوض الحسين ، وقال نسبةً لقلة الموارد دون أن نشعر نجد أنفسنا نعيق مسار الطيور والحياة البرية ، رغم ايماننا بأن قيم الدين تأمرنا بالتفاعل مع الطبيعة ، لاضرار ولا ضرر .وأنه مع فكرة وضع عازل على الأسلاك الكهربائية والأبراج حفاظاً على الطيور ولكنها تقنية عالية لا نملكها !ولكن إذا ما توفَّرتْ فسنحافظ على الطاقة والطيور معاً ، ومؤسفٌ أن ملايين منها نفقتْ خلال العام الماضي فقط !
  تلاهم سعادة اللواء شرطة عمر عبد الله سليمان  استهلَّ حديثه بالتعبير عن سعادته للاحتفال مع المجتمع الدولي بهذا اليوم ..وقال إنَّ اتفاقية الحيوانات المهاجرة اعتمدن عام ألف تسعمائة وسبعين والسودان موقع عليها .وتحدث عن وجود الطيور في حياتنا منذ قابيل وهابيل (قصة الغراب ) ..وكذلك في قصة سيدنا إبراهيم (وإذا قال إبراهيم ربِّي أرِني كيف تُحيي الموتى  ).. كذلك تحدث عن تمثُّلها في أغانينا وترثنا الدارفوري والكردفاني وأيضاً في الهجائيَّة ..كذلك رقصاتنا الشعبية واستخدام الريش ..وفوق كل ذلك رمزنا الوطني (صقر الجديان) دليل العزَّة والكرامة .
   تحدث خلال الفعالية ايضا ممثل السياحة بالحياة البرية ملازم أول مختار محمد والأستاذ الفاتح محمد صالح /وزارة التربية والتعليم  ..و الأستاذ نادر مصطفى أبو بكر عن التشكيليين –ولاية الجزيرة  ود. مدني أحمد عثمان /مدير إدارة الموارد الطبيعية ولاية الجزيرة .. ود. طارق مصطفى مدير إدارة السياحة –ولاية الجزيرة كما تحدث أيضاً مولانا  منصور محمد توم  /وكيل نيابة الحاج عبد الله ..بعدهم قدم د. معاوية حسن والأستاذ محمد الفكي ورقةً علمية عن الطيور المهاجرة ..تناولا فيها أهمية الطيور كغذاء وملبس وزينة  ..وتمثلها الثقافي والعقديِّ فمثلاً طائر (الباجبار) في بعض الدول يجلب الحظ السعيد والأبناء الصالحين !كذلك وجوده في الفلوكلور والتراث والرقص  مُستوحى من حركاتها ، دورها البيولوجي واستخدامها في الدراسات العلمية ، قدما فيها مقترحات باستخدام الطاقة الشمسية وإنشاء خطوط نقل الكهرباء تحت الأرض والعناية بالدراسات المتخصصة على مدار العام وحماية المسارات واستخدام تقنيات الطاقة المخطَّط لها .
  أخيراً قدَّمت كلمة الجمعية السودانية للحياة البرية د. تهاني علي حسن عدَّدت فيها شعارات احتفالات الجمعية  باليوم العالمي منذ عام 2006 ..إلى اليوم (الطاقة لنجعلها صديقة للطيور ) وأكَّدت أن احتفال الجمعية باليوم العالمي للطيور من داخل قطاع الكهرباء بالحاج عبد الله مقصود لذاته لأن هذه المنطقة (الكهربائية) تعتبرمن أكثر المهدِّدات للطيور المهاجرة !
 

     
      

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً