دكتور محمد عبدالله
لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي جرت في 3 نوفمبر 2026، مجرد منافسة حزبية على مقاعد الكونغرس، بل تحولت إلى استفتاء سياسي على أداء الرئيس دونالد ترمب وإدارته. فقد حسم الديمقراطيون، وفق التوقعات الانتخابية، السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في انتكاسة كبيرة للجمهوريين شملت دوائر وولايات كانت تُعد من معاقلهم التقليدية.
وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها جاءت بعد عامين فقط من عودة ترمب إلى البيت الأبيض، بدعم من قطاعات اجتماعية رأت أن النخبة السياسية التقليدية لم تعد تعبّر عن مصالحها، وأن سياسات الهجرة والتجارة والهوية الوطنية تحتاج إلى تغيير. لكن تجربة الحكم كشفت أن الوعود الانتخابية شيء، وكلفة تنفيذها شيء آخر.
فقد أسهم التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، إلى جانب الرسوم الجمركية والحرب مع إيران، في تراجع شعبية الجمهوريين. كما شهدت الانتخابات تحولات في تصويت الشباب واللاتينيين، وامتدت خسائر الحزب إلى دوائر في ولايات محافظة. ولم تعد القاعدة التي أوصلت ترمب إلى الحكم كتلة مضمونة الولاء؛ فقد منحته فرصة ثانية، لكنها لم تمنحه تفويضاً مفتوحاً.
والرسالة الأهم أن الناخب الأميركي، بمن فيهم كثير ممن صوّتوا لترمب في 2024، لا يمنح ولاءاً أبدياً لأي حزب. إنه يريد اقتصاداً أقل كلفة وحياة أكثر استقراراً، ولا يرغب في أن تتحول الأزمات الخارجية إلى أعباء إضافية على معيشته. كما أن الفوز بالرئاسة لا يعني امتلاك شيك على بياض لإدارة البلاد.
داخلياً، تدخل واشنطن مرحلة جديدة من المواجهة السياسية. فسيطرة الديمقراطيين على المجلسين تمنحهم رئاسة اللجان وأدوات التحقيق والرقابة على الإدارة، وقد تضع سياسات الهجرة والإنفاق والحرب والرسوم الجمركية تحت مجهر الكونغرس. لكن ذلك لا يعني شلّ سلطة ترمب، الذي يحتفظ بحق النقض وصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية.
وفي أميركا اللاتينية، قد تتزايد مساءلة الإدارة بشأن سياستها تجاه فنزويلا وكوبا، واستخدام القوة العسكرية وعمليات الترحيل في المنطقة. أما كندا، فقد تجد في التحول البرلماني فرصة للضغط من أجل تخفيف التوتر التجاري ومراجعة الرسوم الجمركية الأميركية، خصوصاً مع اقتراب مراجعة اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
وعلى المستوى الدولي، قد تدفع النتائج نحو مراجعة بعض سياسات واشنطن في أوكرانيا والشرق الأوسط، وتزيد الضغوط لإنهاء الحرب مع إيران. غير أن تغيير موازين القوى داخل الكونغرس لا يعني بالضرورة تغيراً فورياً في السياسة الخارجية، فالقرار التنفيذي لا يزال في يد البيت الأبيض.
أما السودان، فقد تتيح هذه التحولات فرصة لإعادة القضية إلى دائرة الاهتمام الأميركي، خصوصاً إذا مارس الكونغرس الجديد دوراً أكثر فاعلية في الضغط من أجل وقف الحرب، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. لكن التعويل على تغير الأغلبية وحده لا يكفي فلتتغير سياسة أميركا تجاه السودان ربما تطلب ذلك سياسة أميركية واضحة ومتابعة مستمرة، إلى جانب تحرك سوداني مدني ودبلوماسي فاعل.
في المحصلة، لم يصوّت الأميركيون بالضرورة لمصلحة الديمقراطيين بقدر ما صوّت قطاع واسع منهم ضد سياسات رأوا أنها أثقلت حياتهم ووسّعت دائرة الأزمات. لقد اختاروا ترمب أملاً في التغيير، ثم استخدموا صناديق الاقتراع لتذكيره بأن السلطة مسؤولية وليست امتيازاً دائماً. وتلك هي الرسالة الأهم ، في الديمقراطيات، لا تعني شرعية الوصول إلى الحكم الإعفاء من المحاسبة.
