اولاد دفعة (٢) .. بقلم: عثمان يوسف خليل
13 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
39 زيارة
o.yousif@icloud.com
اشرنا في عمود سابق الي اولاد دفعة وهم مجموعة في كلية الاداب جامعة القاهرة فرع الخرطوم (٧٧-١٩٨١) وكما أسلفنا انهم كانوا اقران في العلم والمعرفة، تخاوا وتحابوا في هذه المعرفة ونقلوا علاقاتهم الي بيوتهم مما جعلهم أسرة واحدة ولم تغيرهم عاديات الدهر. واصدقكم القول انني سعيد بكوني احد أفراد هذه الدفعة المميزة وقد ساعدتني الظروف ان اكون حجر الزواية بحكم عملي وليس لشطارتي او معرفتي فقد كان أصدقائي أولئك أقمار تشع بنور الفلسفة والاستنارة
وعودة لجامعة القاهرة الفرع فليس اقل من اكون ممنونا لها بالعلم الذي تلقيته والتجربة العميقة في العمل السياسي والعام.. وشرف كبير كذلك انني احد طلاب هذه الجامعة العريقة.. انشات فرع جامعة القاهرة بالخرطوم في منتصف الخمسينات لتكمل هيكل التعليم المصري في السودان..وكان من المفترض ان التحق بجامعة القاهرة الام لدراسة العلوم السياسية لحبي الشديد للعمل بالسلك الدبلوماسي ولكن في اللحظة الاخيرة غيرت رأي رغم اني جهزت كل شئ للسفر بالبر وبمساعدة اخي الأكبر يوسف والخال الباقر لارض الكنانة والتي يحج اليها اهل السودان وكل بسببه.. وكان اقتراح الخال الباقر ان اقدم اوراقي للفرع كاحتياط وقد كان فتم قبولي..ذهبت لجامعة القاهرة بالخرطوم غرب واول ما لفت نظري عند دخولي لتكملة الاجراءاتالاعداد الهائلة من البنات والتي تفوق عدد الاولاد ولا اكذب ان قلت بانني اصابتني رهبة من منظر الحسان وهن يملآن حوش الجامعة ضجيجا وزقزقة وقد امتزجت تلك الرهبة مع الرغبة للتعلم والدخول لعالم جديد ليس بالساهل وأحسبك تدري ان اول التجربة رهبة واستصعاب..
اتيت للجامعة من مدرسة مدني السني بعد ان أعدت العام الثالث وللناس في زماننا تقليد في تسمية الأشياء فيقولون لك فلان عايد، وخلاص تصبح بصمه لك …كنت قد جلست لامتحان الشهادة السودانية اولا من سنار الثانوية .. ولسنار ومدني محبة ومعزة خاصةعندي ساحكيها في وقت لاحق.. ونعود لليوم الاول فقد ذهبت واكملت اجراءات التسجيل واخترت قسم فلسفة رغبة مني لحبي الشديد للمجادلة والتفكر والسياسة والتي وجدت اول ماوجدت التربة الصالحة في الفلسفة والفلاسفة خاصة الاغاريق الذين سبقوا الناس للتفكيرالفلسفي وعلي راسهم ابو الفلسفة اليونانية والمعلم الاول سقراط والذي دفع حياته ثمنا لمبادئه عندما اصر ان يتجرع السم رغم ان تلاميذه حاولوا مساعدته للهرب من الموت ليكون اول شهيد لمبادئه الديمقراطية..عرفنا ذلك بعد ان بدانا الولوج لعالم فلسفة.. وجدت مجموعة طيبة من الجنسين، بنات لاهن في جمال بثينة ولا شينات طبع.. وشباب فيهم البعض الاهاب وفيهم متلي من تخطي العشرون.. وجدت الدراسة بدأت وعقول بدأت تينع وحوارات تعتبرهي اس الفلسفة.. كانت السنة الاولى عامة وبها مواد غير مواد الفلسفة من علوم اخري كعلم النفس والاجتماع والأخير اتعبني شديد لسببين الاول ان استاذ المادة دكتور صمويل باسيليوس ذاك العجوز الذي خبر علم الاجتماع وخبره علم الاجتماع كان ذو صوت خافت وسعيد من يسمعه حتي الجالسين بالقرب منه.. وكان صمويل وهو عندما كان يرفدنا بمادة الاجتماع وعلي فكرة كانت مدخل لذاك العلم الهام لكل زمان ومكان واجيال واحسب ان هذه المادة يجب ان تدرس عندنا من المراحل التعليمية المتوسطة لاهميتها حتي ينشأ أبناءنا علي دراية بدورهم في مجتماعاتهم ومعرفة حقوقهم المدنية..لقد كان بروفيسر صمويل إنسانا جادا لم اره باسما قط طيلة العام الذي قضاه معنا..وَمِمَّا اذكره جيدا انه كان مصري قبطي المذهب طويل القامة ذو انحناءة في كتفه وكنت انظر اليه ككتاب بشري ناطق واحسب انه وهب حياته للعلم والاكاديما،وكانت له العديد من المؤلفات في دراسات المجتمع… صمويل كان جزء من الفرع حيث امضي هناك من الزمن الاكاديمي قبلنا وبعدنا واكيد طلابه من خريجي اجتماع ممنونون له بالكثير وانا واحد منهم والعجيب ان مادة اجتماع اتعبتني في الامتحان وكان بيني وبينها جفوة لكني عدت وتصالحت معها بل تزوجتها{حلوة} بعد ان كاد ان يهن العظم ويغمر الرأس شيبا..فقد وجدت في المادة سكن مريح ومأوي..ادركت علم الاجتماع بنسخته البريطانية وبحرية اوسع فالعلم هنا (في بريطانية) لا حجر عليه ولا يوجد في القانون البريطاني قلم رقيب ومافيش حد بحقد على اخر بسبب اختلاف راي ذلك العلم علم والعلاقة الخاصة شي اخر.. عدت الى مدرج اجتماع وتعلمت علي اساتذة في جامعتي سوانزي وهي مدينة ساحرة ترقد جامعتها علي شاطئ الأطلسي ويفصل بينهما جسر حديدي للعبور لذاك الشاطئ الجميل..قضيت عام في تلك الجامعة لتعود مراكبي لمدينة مهجري وحاضنة غربتي كاردف وتخرجت منها في العام2003 كاول سوداني يتخرج من مدرسة الاجتماع العملي Social Work ..ويوم التخرج كان يوم عيدي حيث ان ذلك يتم لنا في الفرع وكان رئيس القسم دكتور اندي وهو علي فكرة انسان بمعني الكلمة ذهبت اليه في مكتبه ومن غير ميعاد عندما عزمت علي التحويل لجامعة كاردف وعلي فكرة كل جامعات مقاطعة ويلز كانت تحت مسمي واحد وهو جامعة ويلز ولكن في السنوات الاخيرة صارت كل جامعة تاخذ الاسم الذي ترتضيه ولكن المظلة واحدة..وافق دكتور اندي علي تحويلي بجامعة كاردف وعلي فكرة هذا الامر لم يكلفني لا زمن ولا شئ..وكان نظام الدراسة عامين لنيل دبلوم فوق الجامعي وعام اضافي للماجستير لمن يريد وكل ذلك مجانا اضافة الي منحة مالية تعطي كل نهاية سيمستر.. يوم التخريج ذاك والذي تم بمبني الكلية ذاك المعلم العتيق ذو الطابع الاغريقي القديم والذي كان مقرا للبلدية وتزين مدخله منحوتات حجرية ذات طابع بطولي وهي عبارة عن مجسمات لجنديين وقائدين يحكيان امجاد الشعب الويلزي العريق..ندع اندي اسماء الخريجين والخريجات وعندما جاء دوري علا صوته وعلت ضربات قلبي فقد كانت القاعة ممتلأة عن اخرها باهل الخريجين المدعوين، قدمني علي انه يعتز بصداقتي واصراري علي النجاح وانه فخور ان اكون احد تلاميذه ولكن اخطأ في خلفيتي لينسبني الي الصومال وفارالدم في نافوخي وصحت وانا في اخر القاعة واحسبني اركض لكي استلم شهادتي من وزيرة الخدمات الاجتماعية في حكومة ويلز لأصيح باعلي صوتي ..سوداني..سوداني وتضج القاعة بالتصفيق والضحك ويعتذر رئيس القسم وبأدب جم ويصحح المعلومة وتعتذر لي الوزيرة وتشد علي يدي مهنئة.. الدراسة في الجامعات البريطانية تعتمتد علي الدارس وما علي الاستاذ الي توجيه طلابه للوجهة الصحيحة، هذا في الدراسات العلي..اما عودا لايام فلسفة في نهاية السبعينات فتلك ايام لها رنين ساحر..وعادة العام الاول في الجامعة بكون عام استكشاف حيث التحول الكبير الذي يحدث للفرد من مرحلة الثانوي وعالم المراهقة والشحن بالمعلومات وهموم الامتحانات والمستقبل المجهول وحكاية (سوي دا وما تسوي دا) من البيت والمدرسة والشارع الي انسان يخطو لعتبات الحياة بكل مسؤلياتها..بقينا العام الاول ونحن ننتقل مع الدكتورة اميرة حلمي مطر ومؤلفاتها في المدخل للفلسفة اليونانية وشيخ الفلسفة الاسلامية دكتور عاطف العراقي ومن ذكرنا في السابق من اساتذتنا الأجلاء..رحمهم الله احياءا واموات ولقد ادت جامعة القاهرة بالخرطوم اعظم الادوار في تنمية قدرات الانسان السوداني خاصة أولئك الذين لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بالجامعات والمعاهد الاخرة لقلتها وضيق الفرص…شكرا لاهل مصر عبد الناصر وأم صابر..
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة