بت الحكيم .. ذكري عام علي الرحيل .. بقلم: حامد بشرى
خريف عام 2018 كان خريفاً غير مسبوقاً علي مدينة أمدرمان . أنهارت البيوت الطينية ومعظم أحياء أمدرمان القديمة وتعثرت سبل المواصلات وعاني المواطنون البسطاء من أمكانية قضاء حوائجهم اليومية ، تعطلت الحياة وفقدت بعض الأسر الماؤي وبعضها فقد حتي من يعولهم . وجاء بيان حكومة السجم والرماد كالعادة مغتضباً في جملتين ” فاجأنا الخريف ” . أهمال الحكومة في المقام الأول تسبب في أنهيار البنية التحتية والسبب الثاني عدم مقدرة المواطنين الفقراء علي صيانة منازلهم حيثوا صاروا أمام معادلة يصعب حلها هل الأولوية للطعام والعلاج أم لترميم المنازل الطينية التي بني بعضها بعد سقوط الخرطوم وأنتهت فترة صلاحياتها . لهذه الأسباب أنهار المنزل الذي تقطنه الوالدة . وحمداً لله وأكراماً من الخالق تم نقلها من الغرفة التي تقطنها الي فضاء آخر قبل أن تنهار عليها . أذا هذا الوضع تم نقلها وهي علي كرسي متحرك الي الطابق الثاني بمنزل ابنتها “أصفي” زوجة الرجل الفحل أسامة أبولبدة رغم أن حالتها الصحية لم تكن تسمح بذلك . أنعم الله عليها ببناتها حيث قمن بكافة أحتياجات التمريض والعناية ، جزاءهم الله عنا خير الجزاء .
الجميع كان يناديها بأمي زينب كانت أمراة مختلفة ومميزة أستحقت أن تكون أماً ومدرسة للجميع بجدارة . عطفها وحنانها لم يقتصر علي أبنائها وبناتها وأنما شمل الجيمع . كل من دخل هذا المنزل فهو آمنا تقابله بباششة وكرم فياض حيث لا تعلم شمالها بما تنفق يمينها. منزل والدها كان ملاذاً لنزلاء وأهل من قبائل وعشائر شتي منهم كنانة ، دغيم ، بني حسين ، بني عامر ، الصبحة ، المسيرية ، نزي ، رزيقات عمارنه وخلافهم . هذا المنزل بوتقة أنصهرت فيه قوميات السودان المختلفة وتعايش فيه القوم علي المساوة وحب الخير للجميع . تقوم بخدمتهم مع بقية أخواتها رحمة الله عليهم . في أثناء حياة والدها وحتي بعد مماته كان هذا المنزل ولا يزال أشبه بالداخلية . يرسل الاباء أبناءهم للدراسة بعاصمة البلاد لكي ينالوا حظهم من التعليم النظامي وياؤهم هذا الصرح حيث تقوم الوالدة زينب وأخواتها وبناتها بخدمتهم لا يريدون من ذلك جزاءً ولا شكوراً . في هذا الوسط ترباينا وعشنا الطفولة والشباب . غرست فينا جميعاً روح المحبة والأمانة والصدق والأخلاص . من الأشياء اليومية أن يعود ساكني المنزل من العمل او الدراسة ويجدون أشخاصاً لا يعرفونهم بداخل هذا المنزل أتوا الي أمدرمان لزيارة قبة الأمام المهدي وأهل بيته أو الي العلاج أو قضاء بعض المستلزمات ويمكثوا معنا أياماً وليالي . هذا المنزل بابه لا يغلق وفيه لا توجد ملكية خاصة كل الأشياء مباح أستعمالها للجميع بدءً من الأسّرة وأنتهاء بالملابس .
الحديث عن المطبخ يقود الي أستعراض القهوة والشاي حيث يتم تناولهما بطقوس خاصة . قهوة الوالدة التي تتناولها بعد أن تنتهي من تحضير الوجبة الرئيسية تكون مسبوقة بحمام وتغير ملابس وحتي تصفيف للشعر . أما شاي بت النيل فلا مثيل له . لهذه العائلة علاقة خاصة مع الشاي يخرج في مواعيد محددة و اواني محددة ويتم سكبه بترتيب وبرتوكول محدد لا خروج عنه . في السابق قبل أن يأتي العسكر لسدة الحكم وحتي أبان الديكتاتورية الأولي كان الشاي المستعمل في هذا المنزل هو “ليبتون” الذي يتم أستيراده من أنجلترا وبعد أستيلاء جعفر ود زينب علي الحكم تغيير كل شيئ .
علي الرغم من الظروف الأجتماعية التي عانين منها في التقسيم الغير عادل للعمل وفي محدودية التعليم كل ذلك لم يقف عائقاً أمام طرقهن لباب السياسة . الوالدة كانت تشارك في نقاش الهم العام حتي أنها تعلمت العمل السري وأصبحت تأمن الأجتماعات وتحفظ المحاضر والوثائق الحزبية التي تناهض الحكومات العسكرية.
اجتمعت فيها خصايل العطف و الرقة و الصبر و التواضع و الهمة والشجاعة و الاناقة و الهدوء و القدرة علي تجسير الهوة بين الكبار و الصغار و الذين انعم الله عليهم بعلم و من لم يحظون بشئ منه و أهل المدن و القري و محافظي الفكر و مجدديه في مزيج فريد . وكان لأصدقاء ابنائها و بناتها موضع رطب في القلب.
يا حنان يا منان . يا حنان يا منان يا حنان يا منان . اللهم يا مذكوراَ بكل لسان ويا مقصوداَ في كل آن ِويا مبدئاً لكل شأن ِ ويا من بيده الأكوان ويا أول يا ظاهر يا باطن ويا مالكاً لكل جرم وعرض وزمان أسئلك بما توليت به الأولياء المقربين الذين لهم عندك شأن . سألتك يا رب يا الهي ويا مولاي ويا ملجائ ويا من قامت السموات والارض بأمره ويا من تقوم الاموات بدعوته ويا من ملكوت كل شيئ بيده ويا من أذا أراد شيئاً قال له كن فيكون . أسألك بحق المصطفي نبيك المؤتمن المأمون أن تدخل عبدك زينب النيل فسيح جناتك مع الشهداء والصديقيين وحسن أولئك رفيقا وأن تلهمنا من بعدها الصبر والسلوان أنك علي كل شيئ قدير وبالاجابة جدير.
لا توجد تعليقات
