براثن الدولة الدينية في السودان والهجمة علي النساء .. بقلم: أحمد محمود أحمد
28 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
• تحالف الهاربين من مواجهة الحقيقة يقاتلون فقط ضد المرأة
• التعري الحقيقي هو بيع تراب الوطن ووضع نساء السودان علي الرصيف
• لقد هزمت فتيات السودان خطاب دولة الظلم و رئيس علماء الساكتين عن الحق
*مدخل*: هذا المقال يقف صاحبه وبعقل متوازن ضد قهر النساء و ينقض كافة المفاهيم التي تتأسس عليها الرؤي الدينية تاريخيا و راهنا و التي تشتغل علي الاقلال من شأن المرأة و حصر وجودها من خلال بعد جسدي تتم محاولة السيطرة عليه من خلال العقلية الذكورية، و التي تحول الأسلام في السودان تحديدا الي دين غرائزي لا ينشغل الا بجسد المرأة و كأنه الوحيد خلف حالة التخلف التي نعيشها. يأتي هذا المقال علي خلفية النقاش الدائر حول حلقات برنامج (شباب توك) و التي تم انجازها في السودان في شهر سبتمبر من قبل القسم العربي في القناة الالمانية DW و الذي تصدت فيه فتيات شابات لمنطق فقهاء الدولة الدينية المتهاوي و تم هزيمته امام العالم، وهذا مما أدي الي هياج اصحاب مشروع الدولة الدينية و خروجهم من جحورهم.
*لماذا المرأة*؟
هذا السؤال يحتاج الي تأسيس نظري يلامس تطور البشرية من جهة و الوقوف علي النصوص الدينية من جهة اخري، و بما أن طبيعة هذا المقال لا تسمح بذلك، فان الأشارة المهمة التي يمكن تأكيدها هنا تتصل بطبيعة التفكير الذي تكون تاريخيا عبر سيادة الرجل علي المرأة و فق التصور البيولوجي و الذي جاء مدعوما عبر التفوق الأقتصادي و القدرة علي الكسب و الذي مثله الرجل تاريخيا، و لهذا تقول سيمون دي بوفوار بان ( الرجل يعتبر جسمه كما لو كان كائنا مستقلا يتصل مع العالم اتصالا حرا خاضعا لأرادته هو ..بينما يعتبر جسم المرأة حافلا بالقيود التي تعرقل حركة صاحبته..ان الأنسانية في عرف الرجل شيء مذكر فهو يعتبر نفسه يمثل الجنس الأنساني الحقيقي اما المرأة فهي تمثل الجنس الآخر). هذا من جهة، و من جهة أخري و حين تناول حقيقة النص الديني و اقصد في الأسلام تحديدا، فأنه و وفق واقع المرحلة التاريخية التي تنزل فيها النص المؤسس، فأنه قد طرح رؤي متقدمة تجاه المرأة و ان أبقي علي بعض الرؤي السائدة في الواقع الأجتماعي وفق جدلية الأنتقال و التدرج ، و هنا يمكن أن نتحدث عن قضية الميراث و خضوعها للعرف السائد آنذاك، و قضايا مثل المرأة الحرة و المرأة العبدة و قضية العبيد التي وردت في النص المؤسس و وفق منطق الواقع السائد آنذاك. لكن الأخطر في هذه المسالة فان النصوص الثواني و أقوال الفقهاء و التي تفارق النص المؤسس و في أحوال كثيرة هي التي سادت و بالذات فيما يتعلق بقضية المرأة، و تراكم الحيز الفقهي والذي كرس رؤيته تجاه وضع المرأة في الدرجة الثانية و التقليل من وجودها، فحسب هذا النهج الفقهي، فهي مجرد قارورة من جهة ، و من جهة أخري فهي اقرب للشيطان و لهذا وجب الأبتعاد عنها، و لهذا يردد البعض فحوي الحديث الذي يشير الي أن المرأة لا تخرج الا مرتين، مرة الي بيت زوجها و مرة أخري الي قبرها، و كل هذا يدلل علي شيطنة المراة و محاولة ازاحتها من الواقع الأجتماعي نهائيا و من أجل سيادة مطلقة للرجل. هذا الميراث و رثته التيارات الدينية في المنطقة العربية و دون الوعي بطبيعة التطور التاريخي، محاولة ان تبقي المرأة في الدائرة المظلمة . و بدفع الواقع و طبيعة التطور و الحوجة لدور المرأة في المجتمع، فقد لم تستطع هذه التيارات الوقوف امام هذا الواقع و لهذا لجأت الي طريقة أخري لحجب المرأة و ذلك من خلال المناداة بالحجاب، و أصبح فحوي الصراع يتمحور حول هذه القضية و بغض النظر عن الدور الذي يمكن ان يلعبه الحجاب في واقع التفسخ الأجتماعي و حالة الفقر في المجتمعات العربية الأسلامية، فتحولت المسألة من جوهر الدين الي شكل الدين و هذه هي الحالة التي سنحاول ان نقرأ فيها ما يدور في الواقع السوداني راهنا.
*السودان و مفهوم العفة و الشرف*
السؤال الذي يتبادر للذهن، هل مفاهيم مثل العفة و الشرف تنحصر في المرأة، ام يتجاوز الأمر ليتصل بالرجل؟ يبدو ان مفهوم العفة و الشرف و تحديدا عند العقلية الدينية المتشرية لواقع التخلف، تحصر قضية العفة و الشرف عند المرأة. و بهذا المعني فأن الأفعال الكبري و الموغلة في التعارض مع الدين لا تستفز عقلية التيارات الدينية، بقدر ما يثير كل الكامن في تفكيرها منظر فتاة لا تضع الحجاب او تسير ليلا بمفردها. و هذا ما قصدته بضياع مفهوم جوهر الدين والتحول الي الشكل و الذي بات يتمسك به العقل المتسربل بالدين و وفق المصالح الطبقية و الذاتية. ففي السودان قد حدثت جرائم كبري عبر حكم الأسلاميين تتنافي مع كافة المعايير الدينية و الأخلاقية، و لكننا لم نشهد اي تباكي علي الدين، كما حدث بعد حلقة (شباب توك). اذن لماذا حدث هذا؟ حدث هذا لأن التيار الديني في السودان أعتقد بأنه قد تم تحجيم المرأة تماما و تعطيل دورها من خلال القوانين التي فصلها ضد المرأة عبر حكمه للسودان، لكن فقد حدث العكس، فقد خرجن شابات متسلحات بالوعي و قمن بمنازلة التيار الديني منازلة مكشوفة و هزيمة خطابه هزيمة نكراء امام أنظار الجميع، و اصبح الشيخ الذي يمثل ما يعرف بعلماء السودان شيخا منهزما تغلبه الحجة امام فتيات صغيرات السن لكنهن قويات الحجة. و لهذا خرج اصحاب العقول المتحجرة من جحورهم يرفعون شعارات الفضيلة و يهددون بقمع النساء و قطع ألسنتهن. و ظهرت و ضمن حالة هذا الهياج مقولات مثل تهديد أركان الأسلام و استهداف الأسلام في السودان، فأي أسلام يهدده برنامج يتحدث عن قضايا حيوية و مطروحة للنقاش؟ انه اسلامهم الغرائزي الذي لا ينظر للمرأة الا من خلال جسدها و شعرها، و هو الأسلام الذي ضيقوا مواعينه ليكون محتقنا و متوترا لأن هنالك أمراة لم تغطي شعرها ليطلقوا علي ذلك التعري، و لكن التعري الحقيقي و الذي يهربون من مواجهته هو بيع تراب الوطن من خلال تحالف الرأسمالية الطفيلية و الرأسمالية العالمية، التعري الحقيقي هو سرقة أموال الشعب من قبل ازلام الدولة الدينية و بناء العمارات و الفلل الفارهة و في المقابل و علي الأرصفة قد تركوا بعض نساء السودان يفترشن الأرض من اجل توفير لقمة العيش، التعري الحقيقي هو اغتصاب النساء والرجال داخل سجون نظامهم الحاكم و في دار فور ، التعري الحقيقي هو ترك الوطن مكشوفا لكل الأعداء و للطائرات الأسرائلية لتضرب اية مواقع تريدها، التعري الحقيقي هو سرقة اموال الشعب وشيوع الرشاوي و المحاباة و شيوع الأنحرافات نتيجة لتدمير اقتصاد البلد، التعري الحقيقي هو ان تكون هنالك ملاجيء لأطفال مجهولي الأبوين نتيجة للواقع الذي خلقه تجار الدين، و يمكن ان نعدد الكثير.لكن السؤال الجوهري هنا، لماذا لا يثور دعاة الدولة الدينية لكل هذا و لماذا لا يهتفون ضده؟ و لماذا يخرجون اليوم فقط لأن هنالك فتيات تحدين خطابهم العاجز و يريدون ان يعلنون الجهاد ضد النساء؟ أي عقل ذلك الذي لا يفكر الا من خلال جسد المرأة، و أي عقل ذلك الذي يثور ضد برنامج اتي من دولة غربية يرتبط السودان بعلاقات طبيعية معها؟ فماذا اذا جاءت تلك الدولة الغربية بجيوشها فماذا انتم فاعلون، و انتم لا تمتلكون الا الحراب و البنادق الصغيرة؟ لكل هذا فنحن امام عقل مريض حقا تكمن عقدته تجاه النساء، فكشف شعر المرأة اخطر عنده من كشف اراضي الوطن للأعداء و هذا عقل يحتاج ان يكون في المصحات النفسية و ليس علي ارض الواقع.
*خاتمة*:
هذا المقال ليس تعميميا، حتي لا نخرج من دائرة الموضوعية، فالبرغم من حالة الهياج والتي صدرها البعض تبقي هنالك بعض الأصوات المتوازنة حتي وسط أفراد التيار الديني، و هؤلاء قد أستفادوا من الخلل الذي احدثته السلطة الدينية و توصلوا الي حقيقة ان معيار الحكم ليس هو الدين، و قد استوعبوا الخلل الذي حدث في تجربتهم و هذا علي أقل تقدير، لكن يبقي السؤال قائما و ذلك المتعلق بهؤلاء الأفراد، فهل ستكون لديهم القدرة للوقوف اما هذا الهياج العاطفي الذي يمثله هؤلاء المندفعون عبر عقل الأسطورة، أم عند ساعة الحسم يعودون الي ذات الجحور التي خرج منها هؤلاء ، الأجابة متروكة لهم. من زاوية أخري فأن الحوار الدائر اليوم هو تجليات الصراع بين الدولة الدينية و الدولية المدنية العلمانية، و هذا صراع انهزمت فيه الدولة الدينية قبلا عبر سقوط مشروعها الحضاري و ما تبقي هو مجرد خطاب متشنج و هذا يتطلب تفعيل خطاب الدولة المدنية- العلمانية و الذي فتحنً مجراه تلكم الفتيات وهن راس رمح التغيير، فلنمسك بذلك الخيط فهو خيط النور الصاعد.
ahmedvi09@gmail.com
/////////////////