بحصافة
كنتُ أسمع الكثيرَ من رُسلائي رؤساء الصحف، عن الرَّهق وتكبُّد مشاق السفر بالذهاب إلى مدني لحضور جلسات محكمةٍ هم فيها طرف اتهام. وكانوا يجأرون بالشكوى من عذابات القانون الذي يلزمه بالحضور إلى مدني، مرةً للإدلاء بقولهم في نيابة الصحافة والمطبوعات بمدني، ومرةً أخرى بالوقوف في قفص الاتهام للإجابة عن أسئلة القاضي. وأحسبُ أن مرارات شكواهم تلكم لم يدر المستمع إليها فداحتها وعذاباتها، إلا عندما يكتوي بنيرانها، وأعتقدُ أن رسالتهم التي تتضمن في ثناياها أليم الشكوى، وصلتني مؤخراً، فقد قُدِّر لي أن أسافرَ إلى مدني بُناءً على أمر من محكمتها لحضور أُولى جلسات تلكم المحكمة، بل غاب في عذابات هذه الرحلة أنها رحلة مبكرة عقب صلاة الفجر لنكون ماثلين أمام حضرة القاضي في التاسعة صباحاً من يوم أول من أمس (الاثنين).
وأظنُ- وليس كلُّ الظنِّ إثماً- أن من يسافر عبر طريق الخرطوم مدني، من الضرورة أن يذاكر باباً في الفقه عن أنواع القضاءات، وأحسبُ أنه يتنقل بالدراسة والإمعان في ما يتعليق بتفاصيل القضاء المؤجل، المفضي في بعض الأحايين إلى القضاء المبرم. ولشرح هذه المسألة الفقهية لا بُدَّ من الحديث عن القضاء المؤجل وهو مختلف الأنواع والأحكام، من بين ذلك حادث مروري قد يفضي إلى القضاء المبرم (الموت). ولم أستغرب أنّ بعضهم سمى حقاً أو مجازاً شارع الخرطوم – مدني بـ(شارع الموت). على كلٍّ، ليس هذا بيت القصيد، بل المؤلم أن الشاكي أو الشاكية يجد قدراً من اللذة والإمتاع في إحضار رئيس التحرير مُكرهاً لا بطلاً إلى مدني، وقد يجد في ذلك شيئاً من الراحة النفسية.
وأحسبُ أن الأخ البروفسور الزبير بشير طه، والي ولاية الجزيرة الذي في عهده سنّ هذا القانون، لا يجد تلكم الراحة النفسية، لا سيما وأنه عالمٌ نفساني، يحرص أن ينأى بنفسه من السادية التي هي داءٌ، ومن المرض النفسي، عليه أضم صوتي مع كثيرٍ من رسلائي رؤساء الصحف الذين عانوا ما عانيت بالأمس القريب أن نلتمس مراجعة هذا القانون من قبل الجهات المختصة. فإن الصحف تُحاكم من مقرات إصدارها، وليس من مقر الشاكي أو الشاكية، ودليلي على ذلك أن من يشتكي صحيفة القاردين البريطانية لا يمكن أن يرفع شكواه في مانشستر، ولكنه يحضر إلى لندن، لأن مقر صحيفة القاردين في لندن، ولكنها توزع في مانشستر والمدن البريطانية الأخرى. لكلِّ هذه الأسباب مجتمعة، ندعو الإخوة رؤساء التحرير أن يتضامنوا مرةً واحدةً في حياتهم المهنية، من خلال مناسبة جماعية للأخ محمد بشارة دوسة وزير العدل، والأخ البروفسور الزبير بشير طه والي ولاية الجزيرة للتقليل من معاناة ورهق رؤساء التحرير الذي يفرض عليهم قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009، تحمل التبعات والمسؤوليات القانونية جراء المتضرر إلى القضاء، لرفع مظلمة بشأن غدرٍ أوسبٍّ.
أخلصُ إلى أن رحلتي الاضطرارية إلى مدني الاثنين، لم تكن كلها ظلمات أو ظلومات، بل كانت هناك مسببات تخفيف المعاناة وتناسي الرهق، بدءاً من الأخ الرائد حسن مدير شرطة المحكمة، الذي جعل من مكتبه اتكاءة لإزالة شيءٍ من وعثاء السفر، ومدخلاً من مداخل الصلح. وأحسبُ أنه ينزل في نفسه قول الله تعالي: “.. فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”، إذ يجهد نفسه لتقريب فك الخلاف بين الفرقاء، ويمهد لهم السبيل إلى المجادلة بالحُسنى، ليجنحوا إلى السلم. وبالفعل علمتُ من مصادر متعددة أن في مكتبه عُولجت كثيرٌ من قضايا النشر بالصلح والاعتذار خارج دائرة المحكمة. وكذلك تسنى لنا لقاءٌ طيبٌ مع الأخ المهندس عبد الله محمد عثمان، وزير الزراعة بولاية الجزيرة، ورهط من رسلائي، فمثل حديثهم كثيرَ رهقٍ، وعظيمَ معاناةٍ. وكذلك الأمر مع الأخ الطيب الشيخ نائب والي ولاية الجزيرة ووزير المالية بالولاية. فهكذا عدنا من الجزيرة بشعورٍ فيه الاضطراب، زاوج بين رهق السفر ومتعة المؤانسة. ولم يكن ليتسنى لنا كل ذلك لولا القضية التي رفعتها ضدنا مديرة أراضي المناقل ضد صحيفة “التغيير”، والتي جعلتني أقف في قفص الاتهام لأول مرةٍ في حياتي.
وأحسبُ أن هذا جزءاً من مهنة المتاعب، وجزءاً من التضحيات التي يجب أن تُبذل في هذه المهنة الراقية التي لا تستهدف الأشخاص، ولكنها تهدف إلى الإصلاح والمصلحة العامة. ولنستذكر في هذا الخصوص قول الله تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.
وقول الشاعر سلطان عبدالحميد:
الصلح أقبل كالحبيب الحاني يرجو وصـــــالك درة البلــدان
قطع المسافات الطوال يروم أن يطفئ أوار الشوق والحرمــان
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم