باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 8 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. أمجد إبراهيم سلمان
د. أمجد إبراهيم سلمان عرض كل المقالات

بعد تسعة عشر عاماً… الخرطوم تحتضر من جديد، فهل حان وقت العاصمة الجديدة؟ حوار مع أفكار د. النور حمد ، وهشام هبّاني، و م. عثمان الطيب

اخر تحديث: 8 أكتوبر, 2026 2:57 مساءً
شارك

بقلم: د. أمجد إبراهيم سلمان

في الحادي والعشرين من أغسطس 2007 كتبت في موقع «سودانيز أونلاين» مقالاً بعنوان «الخرطوم تحتضر… عاصمة جديدة هي الحل».

بدأت ذلك المقال بحكاية عبد الباقي، العامل البسيط الذي كان يستيقظ قبل الفجر في أقاصي أم درمان ، جنوب غرب سوق ليبيا، ليبدأ رحلة يومية شاقة عبر الكارو والحافلات والأسواق والجسور، حتى يصل بعد أكثر من ساعتين إلى مقر عمله في الرياض. كان عبد الباقي بالنسبة لي صورة مصغرة لمأساة مدينة تكبر أسرع من طرقها وجسورها، وأسرع ـ للأسف ـ من خيال الذين يديرونها.

كنت أرى أن الخرطوم لم تعد قادرة على حمل السودان كله فوق كتفيها: رئاسة الدولة والوزارات والبرلمان والسفارات والمطار والجامعات والمستشفيات والبنوك والشركات والإعلام ومراكز القرار السياسي والاقتصادي، وفوق ذلك ملايين البشر الذين دفعت بهم الحروب والفقر وانهيار مشاريع الريف نحو العاصمة. واقترحت يومها أن يفكر السودان جدياً في إنشاء عاصمة جديدة، لا هروباً من الخرطوم، وإنما لإنقاذها.

د. النور حمد… وهل ننقل المشكلة معنا؟ كتب إليّ آنذاك الأخ الدكتور النور حمد مداخلة عميقة ، اختلف فيها معي في الحل وإن اتفق معي إلى حد بعيد في تشخيص المرض. كان يرى أن إنشاء عاصمة جديدة لن يحل مشكلة السودان، لأن الأسباب الهيكلية التي صنعت أزمة الخرطوم ستنتقل معنا إلى العاصمة الجديدة. فالريف الذي جرى إفقاره سيواصل إرسال سكانه إلى المدن، والمركزية ستعيد إنتاج نفسها، وستكبر المدينة الجديدة حتى تصبح خرطوماً أخرى.

وكان في تحذيره قدر كبير من البصيرة. فلا معنى لأن نبني خرطوماً جديدة في الصحراء، ثم نحمل إليها الأمراض القديمة نفسها.

لكن تسعة عشر عاماً مرت منذ ذلك الحوار. وجاءت الحرب، ودخلت الخرطوم نفسها في قلب حرب مدمرة، وتضررت أحياء ومنازل ومؤسسات وطرق ومرافق عامة.

وهكذا أصبح السؤال الذي طرحناه عام 2007 أكثر إلحاحاً: هل نعيد بناء الخرطوم بالصورة نفسها، ثم نعيد إليها الوزارات والسفارات ومراكز القرار، وننتظر عودة المشكلات القديمة؟

أم أن هذه الكارثة، على قسوتها، تتيح لنا فرصة نادرة لإعادة التفكير في جغرافية السودان الاقتصادية والعمرانية نفسها؟

ليست عاصمة جديدة فقط… وإنما محور تنموي جديد للسودان

ربما كان القصور في طرحي القديم أنني نظرت إلى العاصمة الجديدة باعتبارها حلاً لمشكلة الخرطوم. أما اليوم فأراها بصورة مختلفة.

العاصمة الجديدة ينبغي ألا تكون مشروعاً عقارياً ضخماً، بل جزءاً من مشروع قومي لإعادة بناء السودان.

وفي هذا السياق تستحق منطقة الشريك في شمال السودان أن تدخل ضمن المواقع التي تُدرس علمياً لإقامة العاصمة الجديدة، لا باعتبار اختيارها أمراً محسوماً، بل لأن دراسات سابقة أُجريت على هذه المنطقة، وأيضاً لما يمكن أن يوفره موقعها على النيل من إمكانات.

والأهم من العاصمة نفسها هو المحور التنموي الذي يمكن أن تنشأ عليه:

بورتسودان ← الشريك (العاصمة الجديدة) ← كردفان ← الفاشر ← الجنينة ← تشاد ← العمق الأفريقي.

واللافت أن قرية الشريك تقع تقريباً على المحور الجغرافي الممتد بين بورتسودان والحدود التشادية عند أدري. فالمسافة الجوية بين بورتسودان والشريك تقارب 400 كيلومتر، ومنها إلى أدري نحو 1,350 كيلومتراً تقريباً. أما الطريق الفعلي فسيكون أطول من ذلك بطبيعة الحال.

وبذلك تقع قرية الشريك، جنوبي أبو حمد، قريباً من الخط المستقيم الواصل بين بورتسودان والجنينة ومنها إلى تشاد، لكن تحديد المسار الأمثل يحتاج بالطبع إلى دراسات هندسية ومساحية مفصلة.

لكن المغزى أكبر من حساب الكيلومترات.

لقد ظل السودان دولة تتجه فيها الطرق والسكك الحديدية وحركة البشر والبضائع، بصورة أو بأخرى، نحو الخرطوم. وربما آن الأوان لإنشاء عمود فقري أفقي آخر للبلاد، هذه المرة من الشرق إلى الغرب.

فتصبح بورتسودان بوابة السودان والعمق الأفريقي على البحر الأحمر، وتصبح العاصمة الجديدة عقدة إدارية واقتصادية على الطريق، ويمتد المحور عبر كردفان ودارفور إلى تشاد وما وراءها.

وبذلك يمكن للسودان أن يستفيد من التحولات الكبرى في التجارة بين آسيا وأفريقيا، بما فيها المبادرات الصينية لتطوير الموانئ والممرات التجارية. فبدلاً من أن تمر التجارة العالمية بمحاذاة ساحل السودان، يمكن أن يصبح السودان نفسه جسراً بين البحر الأحمر وقلب أفريقيا.

هشام هبّاني… والماء يسافر شرقاً وغرباً

وهنا تلتقي فكرة العاصمة الجديدة بفكرة ظل الأخ هشام هبّاني يكتب وينظّر لها ضمن تصوره للمحور التنموي. فالمحور في ذلك التصور ليس طريقاً من الإسفلت فحسب.

الماء نفسه يسير مع التنمية.

فإذا كانت العاصمة الجديدة في منطقة الشريك أو بالقرب منها، يمكن ـ بعد الدراسات الهندسية والاقتصادية والبيئية اللازمة ـ نقل مياه النيل من هذه العقدة في اتجاهين: شرقاً من الشريك إلى بورتسودان، وغرباً عبر المحور التنموي نحو كردفان ودارفور، وصولاً إلى الفاشر والجنينة.

وبجوار الطريق وخط المياه يمكن أن تمتد خطوط الطاقة والاتصالات والألياف الضوئية والسكك الحديدية، وتنشأ المراكز اللوجستية والمناطق الصناعية والتجمعات الزراعية والمدن الصغيرة.

فالماء في بلد مثل السودان ليس مجرد خدمة تصل إلى الصنبور. الماء صانع للعمران. وحيث يصل الماء بصورة مستدامة يمكن أن تنشأ الزراعة والصناعة والمدارس والمستشفيات وفرص العمل، ويستقر الناس بدلاً من اضطرارهم إلى الهجرة نحو مركز واحد. وهنا يصبح المحور التنموي جزءاً من الإجابة على اعتراض النور حمد القديم: بدلاً من أن ننقل الناس من الأطراف إلى العاصمة، ننقل بعض مقومات المدينة والتنمية إلى الأطراف.

عثمان الطيب… مدينة للإنسان لا للسيارة: وفي هذه النقطة تحديداً أعود إلى كتاب مهم للباشمهندس عثمان الطيب بعنوان «مدن الإنسان: كيف غيّرت السيارات المدن؟ وماذا نفعل لتعود المدينة للإنسان».

ينطلق الكتاب من فكرة شديدة الأهمية: أن تخطيط العمران ليس مجرد تجميل للشوارع، وإنما عمل يؤثر في حياة الناس وأعمالهم وصحتهم وبهجتهم. وهو ينتقد المدن التي أصبحت مصممة على مقاس السيارة ، فتراجعت فيها مكانة المشي والدراجات والنقل العام.

والأكثر اتصالاً بموضوعنا أن باشمهندس عثمان الطيب يتناول الخرطوم نفسها، ويرى أن علاج زحامها لا يكون بإضافة المزيد من الجسور، وإنما بتقليل الاعتماد على السيارات، وتحسين النقل المشترك، وزيادة الكثافة العمرانية ومنع التمدد الأفقي، والعودة إلى استعمال الدراجات التي كانت جزءاً من حياة مدن السودان. وهذا بالضبط ما ينبغي أن نتعلمه قبل رسم أول شارع في العاصمة الجديدة.

شيء من برشلونة… وشيء من هولندا والدنمارك ، لا ينبغي أن تتحول العاصمة الجديدة إلى بحر من المنازل ذات الطابق أو الطابقين يمتد عشرات الكيلومترات في الصحراء، كما هو الحال في مدن كثيرة قامت على التمدد الأفقي؛ فهذا يستهلك الأرض، ويضاعف تكلفة شبكات المياه والكهرباء والصرف والطرق، ويجعل السيارة ضرورة للحياة.

يمكن أن نستفيد، كما أشار الباشمهندس عثمان الطيب في كتابه، من روح أحياء برشلونة: مربعات عمرانية متقاربة، ومبانٍ متعددة الطوابق بارتفاعات مريحة للإنسان، ومحلات وخدمات في الطوابق الأرضية، وساحات وأشجار ومدارس ومرافق يمكن الوصول إليها سيراً. أي أن تكون العاصمة رأسية باعتدال، لا أفقية بلا نهاية، ولا غابة من ناطحات السحاب.

فالهدف هو الكثافة الذكية، لا التكدس. ويمكن كذلك الاستفادة من التجربتين الهولندية والدنماركية، حيث لم تعد الدراجة وسيلة للترفيه، وإنما جزءاً من الحياة اليومية يستخدمها الطبيب والمهندس والطالب ورب الأسرة.

واليوم وسعت الدراجة الكهربائية المسافات التي يمكن قطعها بسهولة، وخففت من الجهد العضلي المبذول للوصول إلى مكان العمل. كما تتميز مناطق واسعة من شمال السودان بأرض منبسطة تساعد على استخدام الدراجات، لكن ينبغي أن يكون ذلك حاضراً على مخططات المهندسين منذ البداية، بل يمكن الاستعانة بخبرات البلدان التي قطعت شوطاً طويلاً في هذا المجال. ويمكن منذ البداية إنشاء شبكة آمنة ومستقلة للدراجات والدراجات الكهربائية، مظللة بالأشجار والمظلات المناسبة للمناخ، تربط الأحياء بالمدارس والأسواق والجامعات ومقار العمل ومحطات النقل العام.

فالمدينة التي تجعل المشي والدراجة خيارين صعبين تجبر مواطنيها عملياً على شراء السيارات.

مدينة عصر البطاريات ، وهنا ينبغي ألا نبني مدينة المستقبل بتقنيات الماضي دون أن نسأل إن كانت لا تزال الخيار الأفضل. فالترام والقطارات الكهربائية وسائل ممتازة في كثير من المدن الحديثة، لكنها تحتاج إلى بنية ثابتة مكلفة من القضبان والمحطات، وفي كثير من النظم إلى شبكات كهربائية ممتدة.

أما نحن فنبدأ من الصفر في عصر البطاريات. لقد تطورت الحافلات الكهربائية والدراجات والمركبات الكهربائية بصورة هائلة، ويمكن إنشاء مسارات خاصة لحافلات كهربائية عالية السعة من دون مد قضبان وأسلاك في كل محور. ولعل هناك شبهاً ـ مع الفارق ـ بين ثورة البطاريات وثورة الاتصالات. فقد أنفقت الدول في الماضي أموالاً هائلة على الأسلاك وكبائن الهواتف العامة، ثم جاء الهاتف المحمول فتجاوز جانباً كبيراً من تلك البنية التحتية.

فهل تمنحنا ثورة البطاريات فرصة مشابهة؟ ربما يمكن للعاصمة الجديدة أن تبدأ بشبكة من الحافلات الكهربائية السريعة والدراجات الكهربائية والمركبات المشتركة، مع حجز مسارات منذ البداية للقطارات أو وسائل النقل الأعلى سعة إذا احتاجت إليها المدينة مستقبلاً.

الفكرة ليست رفض القطارات أو الترام، وإنما ألا نستثمر المليارات في تقنية قبل أن نسأل إن كانت هناك وسيلة أحدث وأقل تكلفة وأكثر مرونة. قبل أول عمارة… نبني ما تحت الأرض ومن أكبر أخطاء مدننا أننا نبني ما يراه الناس أولاً، ثم نفكر فيما لا يرونه لاحقاً.

في العاصمة الجديدة ينبغي أن نفعل العكس: نبدأ بما تحت الأرض. شبكات مياه الشرب والصرف الصحي وتصريف السيول والكهرباء والاتصالات والألياف الضوئية وأنفاق الخدمات ، ثم الطرق ومسارات النقل العام. كل ذلك ينبغي أن يُخطط بصورة متكاملة قبل أن ترتفع المباني، فلا نحفر الشارع للمياه اليوم، ثم نهدمه للكهرباء غداً ، ثم نحفره مرة ثالثة للصرف الصحي.

الحكومة والسفارات خارج قلب المدينة: ومن الأخطاء التي ينبغي ألا نكررها وضع الوزارات والمؤسسات السيادية كلها في قلب العاصمة. يمكن الاستفادة من تجربة بوتراجايا الماليزية بإنشاء حي حكومي متكامل في أحد أطراف العاصمة الجديدة، يضم الوزارات والبرلمان والمؤسسات الحكومية، ويرتبط ببقية المدينة بنقل عام سريع. والفكرة ليست عزل الحكومة عن الناس، وإنما منع الحكومة من ابتلاع المدينة وتعطيل دورها التنموي ومركزها المالي والتجاري. وينطبق الأمر نفسه على السفارات. يمكن الاستفادة من تجربة قطر في إنشاء منطقة دبلوماسية مخططة، فتُخصص في العاصمة الجديدة منطقة للسفارات ذات طرق ومواقف ومتطلبات أمنية صُممت مسبقاً، بدلاً من وضع السفارات وسط الأحياء ثم إغلاق الشوارع حولها بالحواجز الأمنية.

أما الخرطوم فلا ينبغي التخلي عنها. بل إن نقل الوظائف الإدارية منها يمكن أن يصبح واحداً من أهم مشروعات إنقاذها. لقد دمرت الحرب أعداداً كبيرة من المنازل والمنشآت، وستقف الدولة والمواطنون أمام سؤال إعادة الإعمار والتعويض.

يمكن ـ وفق قوانين عادلة، وبتقييم مستقل، وبالتراضي الكامل مع أصحاب الحقوق ـ شراء بعض المنازل والعقارات شديدة الضرر في المناطق التي تحتاج إلى إعادة تخطيط ، وتعويض أصحابها مالياً أو منح من يرغب منهم شققاً حديثة ذات قيمة عادلة في العاصمة الجديدة. وهكذا يمكن استعادة أجزاء من الأرض في الخرطوم لفتح مساحات عامة وحدائق ومحطات نقل، وتوسيع بعض المحاور وإعادة تنظيم الأحياء، بدلاً من إعادة بناء كل شيء في المكان نفسه لمجرد أنه كان قائماً هناك قبل الحرب.

يجب أن نبني العاصمة الجديدة لكي نساعد الخرطوم على التنفس ، لا لكي نهجر الخرطوم. وهنا يصبح اعتراض د. النور حمد على مقالي عام 2007 جزءاً من الحل؛ إذ كان اعتراضه أن أزمة الخرطوم ليست أزمة مدينة، وإنما أزمة السودان، وأن العاصمة الجديدة إذا نشأت داخل البيئة الاقتصادية والسياسية والتنموية نفسها فسوف تلحق بها أمراض الخرطوم.

واليوم أعتقد أن تحذيره لا ينبغي أن يكون حجة ضد المشروع، بل أحد شروط نجاحه . فإذا بنينا عاصمة بمليارات الدولارات، ثم تركنا دارفور وكردفان والشرق والجزيرة والنيل الأزرق تعاني الفقر وضعف الخدمات وانعدام الفرص، فسوف يحمل الناس حقائبهم مرة أخرى ويتجهون إلى العاصمة الجديدة.

وبعد ثلاثين عاماً سنكتشف أننا لم نبن مدينة جديدة. لقد بنينا خرطوماً أخرى. أما إذا كان المشروع ماءً وطريقاً وطاقةً واتصالاتٍ ومراكز اقتصادية تمتد من البحر الأحمر إلى غرب السودان، فإن العاصمة تصبح جزءاً من مشروع أكبر لإعادة توزيع التنمية نفسها.

من البحر الأحمر إلى قلب أفريقيا: يمتلك السودان شيئاً لا تستطيع حكومة أن تصنعه، ولا تستطيع حرب أن تمحوه، وهو الموقع الجغرافي. لدينا ساحل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وخلفنا فضاء أفريقي واسع يمتد إلى مناطق ودول بعيدة عن الموانئ البحرية. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع الثروة. الموانئ والطرق والمياه والطاقة والاتصالات والاستقرار والقانون هي التي تحول الموقع على الخريطة إلى قيمة اقتصادية.

ولذلك علينا ألا نجلس منتظرين ما يخططه الآخرون لنا. علينا أن نضع مشروعنا نحن على الطاولة: بورتسودان بوابة على البحر الأحمر، ومحور تجاري وتنموي يتجه غرباً إلى النيل والعاصمة الجديدة عند الشريك، ومنها يسير الماء شرقاً إلى بورتسودان وغرباً نحو كردفان ودارفور والفاشر والجنينة، بينما يستمر طريق التجارة إلى تشاد وقلب أفريقيا.

وعلى هذا المحور لا نبني عاصمة فقط. نبني، مستفيدين من أفكار الباشمهندس عثمان الطيب ، مدناً للإنسان: مدناً مدمجة ومتوسطة الارتفاع، قصيرة المسافات، يمشي فيها الإنسان ويركب دراجته بأمان ، ويجد المدرسة والمتجر والحديقة قريباً من منزله ، ويستقل الحافلة الكهربائية من محطة قريبة بدلاً من أن يصبح أسيراً لسيارته. ربما تبدو هذه الأفكار اليوم، كما بدت فكرة العاصمة الجديدة لي في أغسطس 2007 ، أقرب إلى الأحلام.

لكن المدن التي نعيش فيها اليوم كانت يوماً خطوطاً على أوراق مهندسين، وقد بنت دول مثل البرازيل ونيجيريا ومصر عواصم جديدة عندما رأت أن مدنها القديمة لم تعد قادرة وحدها على استيعاب الوظائف الإدارية والعمرانية المتزايدة.

لقد دفعت الخرطوم ثمناً فادحاً للحرب. وربما يكون أسوأ ما يمكن أن نفعله بعد كل ذلك الدمار أن نعيد بناء كل شيء في المكان نفسه، وبالطريقة نفسها، وبالعقلية نفسها، ثم ننتظر نتيجة مختلفة.

بعد تسعة عشر عاماً من مقالي الأول لم يعد السؤال عندي: هل يحتاج السودان إلى عاصمة جديدة؟
بل أصبح:
هل نستطيع أن نجعل العاصمة الجديدة نقطة انطلاق لإعادة رسم جغرافية التنمية في السودان؛ فنربط البحر الأحمر بالنيل، والنيل بكردفان ودارفور، ونحمل مع الطريق الماء والطاقة والاتصالات والتجارة، ونفتح من غرب السودان بوابة إلى تشاد وقلب أفريقيا، وفي الوقت نفسه نبني مدينة سودانية جديدة يكون الإنسان ـ لا السيارة ـ هو مقياسها ونبض إيقاعها؟

إذا استطعنا ذلك، فلن تكون العاصمة الجديدة هروباً من الخرطوم ، ولن تكون محاولة لإخفاء أزمة السودان في مكان آخر، كما حذر النور حمد قبل تسعة عشر عاماً.

بل ستكون جزءاً من محاولة أكبر: أن نعيد بناء السودان نفسه على خريطة جديدة للتنمية، وأن نمنح الخرطوم ـ بعد كل ما أصابها ـ فرصة لكي تتنفس من جديد.

أمجد إبراهيم سلمان
الخميس 7 أكتوبر 2026

Author
د. أمجد إبراهيم سلمان

د. أمجد إبراهيم سلمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
المليشيا الحميدة !!
اسمه د. زهير يقدم برنامجا تلفزيونيا .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي
الأخبار
بيان من الهيئة العليا للحكم الذاتي لجنوب دارفور حول زيارة حاكم دارفور لحاضرة جنوب دارفور
منبر الرأي
(النظام , النظافة , اصحاح البيئة )
اجتماعيات
حركة العدل والمساواة السودانية: عزاء للفنان الخلوق الليمن عبد الغفار

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

عاقبوهم على طريقة الشطة!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
منبر الرأي

ياشيخنا هل يجوز الاعتصام؟ .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
منبر الرأي

أبوذر الغفاري شاعر ضجة الشوق والهواجس، والاستعصاء على النسيان .. بقلم: أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

طارق الجزولي
منبر الرأي

فرصة العسكر الأخيرة، وهل يتجه المشهد في السودان إلى سقوط الانقلاب؟  .. بقلم: محـمد أحـمد الجاك 

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss