بلاغ الترتيبات الأمنية “2/2”: تفكيك أحادية هيمنة القوة… إعادة توزيع عناصر القوة  .. بقلم: محجوب حسين

 أشرنا  في إستهلال  الحلقة الماضية إلى أن موضوع الترتيبات الأمنية محط الإشكالية الوطنية، هو موضوع إشكالي  فرض نفسه  مجددا لدي عقل الحكم السياسي في البلاد و بالطبع  في دورة تاريخية مختلفة المحددات و التجليات التي تمظهرت في إنهيارات على الصعد كافة، في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و الاقتصاد و الأمن وحتى التفكير ……إلخ. في المجمل، قد تكون تلك المظاهر من مظاهر مخاض دولة فاشلة، عاجزة، تطمح و تتصارع للتّكون و التشّكل نحو الدولة /المؤسسة. إن كان ذلك،  فالأمر هو طبيعي. و إن لم يكن كذلك، فإننا أمام  مظهر تدهور و سقوط الدولة، و لم تعد نظرية “الصراع من أجل البقاء” التي تبذل من الأطراف كافة و تحت أية عقلانية معدومة أو مرتقبة ذات أثر، و أن دورة التاريخ السودانية الحية قد أكملت إستحقاق إنسدادها.
 و هكذا عمدت تلك المؤسسة / المنظومة المهيمنة على إضفاء صبغة “القداسة” على ما يعرف بالمؤسسات الأمنية و التضليل على أنها مؤسسات تتسم بالقومية و الوطنية و الإنضابط و محل الشرعية الوطنية و مهامها دستورية، في حفظ أمن و سيادة البلاد. و بالتحري في تفاوت المفاهيم الموزعة و في إختلاف مرجعيات الإنطلاق، تجدها عبارة عن محمولات أيدولوجية لوجهة نظر جهاز الهيمنة السائد في السيادة على مجال الدولة العام و بحراسة الفاعل العسكري الذي يعمل على ترتيب أمر و توجيه الفاعل السياسي المدني، و العلاقة بين الفاعلين، تمثلها جدلية منفعة مستمرة، يسيطر فيها الفاعل العسكري على محددات الفاعل السياسي في علاقة خطية، ترسم مجال الهيمنة الثابت و المحمي تاريخيا و لا تقبل أي تغيير في ميزان القوى يهدم نظام التبعية المحكم  بين التمركز الثقافي و المحيط الخارج عن تمركزه بإستمرار، مع رفض أي حجة أخرى للحؤول دون هيمنة التمركز، محل الحماية الدائم من المنتظم  أو نادي الهيمنة العسكري، غض النظر عن الوان واجهاته، سيظل  يخضع للمقاييس و الموازيين الصارمة للنسق الإجتماعي المسيطر. جدير بالإشارة أيضا، أن هذه النسقية العسكرية، لها تراتبية و هيكلية عصية، مرتبة ترتيبا صارما، و تحت نظم، تلعب فيها قواعد البنائية الإجتماعية للنسق دورا أساسيا. و هو جهاز الحكم الإخطبوطي في كل الدورات السياسية و حتى اليوم الذي يسمونه حكومة “ثورة” بعد صك المحاصصة الذي وقع ليلا، سموه  بين عسكر و مدنيين، هي كانت ثورة لكل المواطنيين السودانيين بشتى طبقاتهم و مهنهم، لكنها قسمت بين المدني و المهني العسكري، ليلعب جهاز الحكم الأخير دوره الذي خلق لأجله.
في هذه المؤسسات  تستطيع أن تتعرف على شكل التراتبية المصممة و شكل التمايز بعيدا عن الأطر العسكرية بين قواها الديناميكية و الميكانيكية “القطيع” مثل  تواجدهم “كعدة شعل” جمهور المظاهرات و التجمعات الجماهيرية الكبرى، حيث ترى و بوضوح جليّ، “الإستاتيكي” الثابت  لفائدة حماية النسق المسيطر و بواجهاته المتعددة. هذا النظام  السياسي/ الإجتماعي يعمل على توسيع دائرة  تحالفاته  الداخلية و الإقليمية لإستعادة دائرة حركية النسق السلطوي بعد ما إعتبرت أن هناك غزوات غير مرحب بها دخلت مجاله. و سؤال المتابعة الملازم هو تحدي حركية التاريخ و تغيير مساراته و لو في المراهنة على إستنهاض التاريخ ليلعب دوره و قد لا تقع مآلاته وفق ما تقدره أطراف إعادة إستنهاض التاريخ، و أعني هنا، العام 1821 و 1898 من القرن التاسع عشر، و هي حفريات بدايات تشكل الملمح السياسي للسودان الحالي من طرف الخارج أو تلبية لمصالحه.
ضمن ما سبق، تستطيع أن تفهم تشريح إرتدادات الذهنية الثقافية المناهضة، الرافضة والمقاومة لإتفاقية “سلام جوبا” و ترتيباتها الأمنية، بإعتبارها الذهنية  الوصية و الفاعلة قياديا كما أشرنا في السابق للحفاظ على مجالها ” المقدس” عبر نسقية أجهزة حماية التمركز و هيمنته، لذلك فسرت الترتيبات الأمنية وفق بناءاتها المرجعية التي تؤهلها لإحكام السيطرة و صنع المبادرة و توجيه الرأي العام بالتأثير و صناعة الفراغات التي تمكنها من قتل النصوص ذاتها في الإتفاق كما تفعل  بمعيارية إنتقائية  مقصودة، حيث ترى فيها  تقويضا لمؤسسات تلك البنى المنحازة، و أهم ما في تلك البنى  هو الجيش كنسق مغلق، و يشتغل وفق أطر ضيقة، لإرتباطه بأمن الهيمنة الذي يسمونها ” أمنا قوميا”، إضافة إلى موانع  تمنع فرقاء الشأن حقا الولوج إليه، مثل عدم كشف أو تعرية نظمه و بالذات تلك الثقافية و الإجتماعية لإعتبار مجال المغلق، مجال عام مشترك، لا يمسه إلا المطهرون ـ و الطهارة هنا ليست الدينية، بقدر ما هي إجتماعية وموالاة للهيمنة ـ  لذلك تسعى ذات المؤسسات على إفراغ الإتفاقية من أي حجية  الشرعية السياسية الوطنية المؤسساتية، كما تعتبر أن الإتفاقية نفسها جاءت ضمن مراكز مختلفة في السلطة، و بمراكز إستقطاب تنافسية، مرات متداخلة و مرات متعاضدة، تكاملية، و أخرى متعارضة، كما ترى فيها المواقف الرافضة تحالفا عسكريا بين قوى الكفاح المسلح، و بإشارة واضحة إلى تحالف أبناء الغرب المسلح فيما بينهم، و السلطة التي تم تفويضها لإدارة التفاوض و توقيع  الإتفاق هي نفسها تتعرض لسياسات كسر شوكتها و إخراجها عبر سيناريوهات مشاهدة على نطاق واسع، علما أنها ذات السلطة  التي وقعت “الإتفاق السياسي” و “الوثيقة الدستورية”، فكانت محل شرعية إلا أنها ليست محل شرعية و أهلية مؤسساتية لخوض المفاوضات كما تزعم، بعد حكاية ” المجابده” مع الملف إبان المفاوضات، كما ليست محل إعتراف حقيقي من طرف الطبقة السياسية المهيمنة، و المؤكد، العديد من اجهزتها تعمل على هندسة الإطاحة به كهدف إستراتيجي و أساس  يعيد للنسق السلطوي سطوته  مجددا، أو كما وصفه كاتب كبير أن إتفاق جوبا لا يتعدى كونه” إتفاقا بين أبناء الغرب، أنفسهم بأنفسهم، و لا تنسحب أثاره على الدولة”. و هذا تدقيق مهم في تفسير كل الإرتدادات الناشئة.
المؤكد في هذا الإتجاه أن السلطة الرسمية المتعالية من لدن  جهاز الهيمنة التاريخية تعتبر شرعية الدعم السريع هي شرعية “شاذة” جراء ماهيتها. لذلك، تعمل بعنفوان مشهود و عبر دوائر خارجية و داخلية في إدخال قوات الدعم السريع  ذاتها إلى الترتيبات الأمنية و بشروط ” الطاعة”، بعدما إنتهت مهمة توظيفها. و هو الذي يفسر إن عملية الترتيبات المقصودة ليست هي ترتيب مجال الدولة و إنما فقط تسليم السلاح إلى جهاز  الهيمنة الممثل و في واحد من أطره الأساسية للإستمرار في دوره التاريخي، و على الذين سلموا أو أُستلم منهم السلاح، يقال لهم، عفا الله عما سلف و كفانا شر الغفلة، هذا دون إنجاز أي من إستحقاقات الدولة الوطنية الكبرى، و أهمها بناء نظام سياسي قائم على شراكة متعددة الأقطاب، و هذا لا يتأتي بإنقلاب مفاهيمي حقيقي من ثقافة الهيمنة إلى ثقافة التعدد. وهو الشيء الذي يعكس صعوبة فك العقدة الوطنية راهنا، و باتت تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى، خيار صيغة ” إما و إما” الراجحة، فهي إما بالمواجهة أو العقلانية التي لا تتم إلا بالإستجابة إلى الشروط التاريخية في التحول و تنفيذ شروط الموضوع في الحاضر و بنقد الماضي، لأن  الحقيقة، إن المؤسسة الرئيسية  ذاتها لم يعد لها حق “الفيتو” في فرض شيء كما في السابق عبر لغة المارشات العسكرية و أنشودة بيان بعد قليل فترقبوه،  سيما بعد الأدلجة و القبلنة، و علاقات شبكة المال الداخلية و الزحزحة و الإنهيارات و الثقة المقتولة. كلها عوامل إنعكست و جعلت من المؤسسة ” المقدسة” في نظر البعض، اليوم رغم ـ غتغتتها ـ هي عبارة عن عناوين لجيوش جهوية و إقليمية و قبلية، كما أصبحت  مسألة الأوامر العليا لم تقع تحت طائلة التنفيذ ، أي سقوط لغة ” الكاكي”،  و إنما بات يأتي عبر الولاءات التحتية الفاعلة من علاقات القربي و النسب و القبيلة هم من يحظون اليوم في حراسة المواقع الحساسة، دون أن ننسى  شبكات الصراع و الأموال و المصالح، في وضع هو شبيه بالعتبات الأخيرة عند إنهيار القوات المسلحة الصومالية بعد حكم محمد سياد بري. و المؤسف هي نفس المنطلقات إن لم تكن أكثر تعقيدا في الحالة السودانية. و معلوم، على خلفية إنهيار الصومال، ظهرت مصطلحات، الصوملة و قبلها الأفغنة و  السورنة إلى الليبنة و في السابق اللبننة….إلخ.
ضمن هذا الإطار، كيف يمكن لنا تفكيك نصوص الترتيبات الأمنية و مشهد السودانيون في الثلث الأول من القرن الحادي العشرين، هو مشهد الشرعيات المختلفة والمتنافرة، و معها إنتفت كل موازييك الشرعنات السابقة، و برز السؤال البنيوي الكبير، سؤال من؟ و من يمثل من؟ و أهم مقاربة تلبي تلك  الصورة أو تفسرها، غض نظر عن سياقاتها، هي قيام جيوش هادفة لحماية مصالح إمتيازات شعوبها و مصالحها ما دامت المؤسسة العسكرية الرسمية نفسها تحمي مصالح قواها المهيمنة و دون أن تعمل القوى على فك الإرتباط  بين الدولة وهيمنة النسق الإجتماعي.
  جراء ذلك، ثمة مفاهيم وعناصر كثيرة تفسر و توضح بجلاء تامين أن معامل القوة  هو ثابت المجال  و متغيره بين الكتل الإجتماعية المتصارعة على فرض إرادتي الهيمنة/ السيطرة، بهذا الشكل برزت  القوة  كميكانيزم للمجال و الذي بموجبه تحدد مجمل العلاقات داخل النظام أو خارجه، فيما توازنات القوى فيما بينهما تبين حدود الممارسة و الفعل و حدوده. أيضا القوة تحدد طبيعة تلك العلاقات  و التي إنعكست بصورة مباشرة على الممارسة السلطوية في السلطة و الاقتصاد و السياسة و حتي العلاقات الإقليمية و الدولية كما هي واضحة للعيان. محدد القوة سببه و وسيلته مبررتان و هدفه مشروع  و نتيجته إستحقاق كما تعتبرها مراكز القوى المتصارعة ضمن مفهوم الاـ دولة،، هذه المراكز كانت جديدة أو قديمة او هي في طور النشأة، كلها مدعومة بقواها الإجتماعية  المتنافسة في إنعكاس للصراع الإجتماعي الثقافي التاريخي الذي عجز عن  صيغة مشروع  “دولتي” للدولة محل إجماع و لو كان نسبيا، محدد بتفاصيله ينظم علاقة الكائن “الدولتي” السودان  مع  الكائنات السودانية  لتحقيق المنافع المباشرة مع الدولة  في الثروات و السلطة و الرموز بعدما إنفرط العقد الوطني الجزئي ، رغم إنحرافه و درجة ميلانه. إن خارطة إقتصاديات القوة  في المجال العام المشترك و تجاذباتها عبر الشد، يمكن إعادة  تدبيرها  من جديد عبر صيغة  لهوية أمنية وطنية مغايرة و عبر ترتيبات جديدة ،هي ترتيبات مؤسساتية داخل الدولة و ليس خارجها عبر آلية الحرب، و هذه من شأنها أن تؤسس لشرعة وطنية ممكنة و متوافق حولها تنهي  إنسداد الأفق، بتفكيك الأحادية لصالح التعدد القار و في مقاربة شجاعة للمتغيرات تنقل مشروع الدولة إلى عتبة التأسيس و مؤسسة أمنية لحماية المشروع الوطني المفقود و ليست مؤسسة لرعاية مؤسسة الهيمنة، و هذا هو الطريق لنزع فكرة السودان مشروع معركة مرتقبة.
أخيرا، جدير بالإشارة إلى أن مؤسسات الإنتقال الحالية و هي الثالثة ، تعتبر جزءا  من مسلسل الدولة الوطنية، العاجزة و معنية بملف الترتيبات الأمنية لملاءمة الدولة مع  كل المعطيات التي أشرنا إليها في حلقتين كاملتين، هذا التعاطي هو مواجهة حقيقة  للخلل البنيوي، خلل عجز مشروع الدولة في الإجابة على سؤال، المواطنة و دولة المواطنة  التي تتعارض مع الدولة الثقافية  في سيطرتها و هيمنتها. المؤكد هناك إختلاف للمقاربات و لكن تتفق أغلبها في عدم  حسم مبدأ “المواطنة الدستورية” و الدولة الآن متكدسة في غلبة دولة “المواطنة الثقافية” و الصراع على بقاء حمايتها عبر مؤسسة الهيمنة العسكرية عبر سيناريوهات وحيل متعددة يصعب حصرها. حيث لا تزال ” الأنا الثقافية ” ترفض الأخر، ثقافيا و مكانيا. و لا تؤمن مطلقا بحق الإختلاف في إطار مبدأ المواطنة  كفعل و ممارسة في الدولة التي لم تنشأ لأجل المؤمنين أو “الضالين” بل المواطنين، الدولة  صيغة للمواطنة و ليست للإيمان.
mahgoub@windowslive.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً