بمناسبة الاحتفاء بمرور (60) عاماً من الكتابة – عبد الله علي إبراهيم
30 يوليو, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
100 زيارة
الجمعية السودانية للمعرفة بالتعاون مع اتحاد الكتاب السودانيين
الخرطوم، الثلاثاء 18 يوليو 2017م
الداعية عبد اللَّه علي إبراهيم (شقّاق الدُروب..البَصّاص..) .. بقلم: غسان علي عثمان
ghassanworld@gmail.com
لا يفوتني الشكر كله للجمعية السودانية للمعرفة واتحاد الكتاب السودانيين إذ اتفق جهدهم الرفيع على الاحتفاء باستاذنا عبد الله علي إبراهيم، وشرفونا كتابة هذه المساهمة، فلهم منا كل الشكر والود والتقدير..
إن أفعال التكريم في بعضها جنائزية، فالانتظار كله حتى نَوَّارَيْ من نحب في باطن الأرض لينطلق مهرجان الأناشيد الملكية كل يدلي بدلوه، لكن الجديد أننا نكتب هذا النص بدافع من محبة وعرفان لرجل كرس جهده لصالح تحسين أداءنا الثقافي والسياسي، فعل ذلك من خلال مساهماته العميقة في ضروب كثيرة، لم ينفك يعطي الساحة السودانية من معارفه الوفيرة، أدقها معنى وأكثرها جذرية، إن عبد الله علي إبراهيم حالة من الكتابة، فيها شغل قل أن نجد لها نظير في قرننا الذي نعيش.. إن مشروعه هو المحايث الموضوعي لذاكرتنا الثقافية، ما يمنع عنا الحديث في أي شأن يخص المعرفة السودانية، دون أن يطل عبد الله فارساً له حوبة، شاهراً قلمه وضَّاء شديد الإثارة..
فِي سر الْاِحْتِفَاء بالبطل:
(سيرة للبطولة) إنها النتيجة المؤكدة لمن يريد تتبع رحلة عبد الله علي إبراهيم، إذ معه بات من الممكن النظر إلى تجربة عميقة الأثر نهلت من معين سوداني أصيل، وهي كاشفة لنا عن وَله بهذا الجغرافيا الثقافية، وانشغال جدَّي بقضاياه، هي سيرة التحليل السمح الرزين. عبد الله يجسد قصة كفاح الداعية. داعيتنا هنا لا يحمل بعداً أيديولوجياً بل القصد من تسميته بذلك، أن عبد الله من أطلق على عبد الله المفكر صفة (الداعية)، وهو بذلك في كل بلد سوالو ولاد، لا يدخل حقل إلا ويخرج رفقة مريدين، يمارس بحنكة الداعي وحسه الوعظي المتين سلوك مرن وجديد، ذلك أن صولاته الأدبية فيها تلاميذ من كل الأعمار، وبعضهم لم ير عبد الله إلا معبئاً في نص ضيق، ضمه كتاب أو احتل مقالة له في الصحف السيارة، وآخرون كفاحاً نالوا حقوق التلمذة. هو الداعية لأنه يعرف كيف ينزل بالخطاب حثيثاً لمن يسمع بفؤاده. إن خصومه في السياسة لا يمارسون كراهية بقدر ما يديرون معركتهم معه بمبادلة ثقة تفهم كيف أن المعرفة (شيلني وأشيلك)، ومن ناوشهم عبد الله يعترفون بفضله ويفهمون دوره الثوري في المعرفة، بعضهم وليس بالضرورة كلهم..
في هذه التجربة بات الرجل مفكراً ذا رأي وفوق عديله، فصاحبنا رجل فيه شركاء متآلفون، ملك لسانه بيمينه يؤسس ملكاً شديد الثراء تقوم أبنيته على نص، لزول حكَّاي ومعلم كبير، فالبدائي وهو هنا يشبهه ليس في جاهليته، بل في فطريته التي لا تتجول إلا منفردة لكن رفقة الهم بالجميع، إنه يفكك كل شيء انطبق ظننا على معرفة به، يفعل ذلك ليعرفنا كيف أن أقدارنا السودانية لم تزل بعد في مرحلة التكوين، هكذا يأتي جهد عبد الله علي إبراهيم، يفعل كل شيء بمتعة الطفرة، ووفق قوانين التَّشَكُّل عن عمد، إن دارس نصوصه ليعجب كيف تتحكم فيها أسئلة شاذة، وتأتي نتائجها مفارقة للجميع، بَهِيَّةُ ذَاتُ جِرْس ومُقِلقة، إن مشروع البطولة مشروع كونه يأخذ جاذبيته الخاصة، من حق المفكر في الكلام في مجتمع أدمن قطاع كبير منه ترديد (ديل كلمنجية ساكت!!) وكأن الكلام جريمة؟ ولا ندري كيف يمكن للكلام أن يكون دون صوت.. لكنها العبارة البليغة لشعب فترت همته من كثرة القوالات، وصفرية الأفعال، ذلك أنه حين أصيب الجميع بلعنة المقابسة، واستفحل فيهم عبث الترتيب، والدخول من هناك وهنا، أما هناك فهو المضي ضد الثبات نزولاً عند رغبة الجماهير التي أيضاً تشبهنا إلى حد كبير، جماهير مَلَّتْ النضم، واختارت كراهيته ومعها الحق، لكن ما فعله عبد الله أن أعاد للكلام بريقه، ولمهنة الكاتب ألقُها، فعل ذلك بقدرة خلاَّقة في تدوير اللغة لكي تحكي معاني عديدة، وتهرب قدماً من الكتابة المُشَفهة مضطربة الإيقاع، كونها تعبر عن حلف معقود بين المعنى وخيانة حقيقة، فمشروع الداعية، داعيتنا عبد الله المتصل بحقول عديدة يحكي عن قدرة مرنة في تشبيك العلوم محاكياً وحدة الوجود وبالعكس. فالمتابع الحذق لشغله سيلمس بلا عناء هذه الخاصية، خاصية أن تعانق كل شيء لكن دون أن يحتويك..
لقد بدأ يتحقق من حساسية الذاكرة الثقافية، يفعلها متشككاً.. يُفكر.. يَعمد إلى شغف في اللغة والمعنى، شغف يجد تجليه الأكبر في فتوح لغوية كبرى، فعبد الله الداعية يعيد ترتيب القاموس اللغوي للكلام، ما سيمكن باحث ذو روح خفيفة أن يكتب قاموساً للعامية السودانية، شارحاً مقولات الداعية، وحتماً سيجد. لقد شغلته السودانويات، وأحكمت وثاقها عليه، ما انفك في كل لحظة يريد الطعام الجديد ذو الطعم السخي..
كما أن عبد الله الاسم وبدارونية مؤمنة احتوى الألقاب حتى ما عاد من الممكن أن يُكنى بغير اسمه، وهاء اسم الجلالة تحت وطأة الشكل تتدلى ضاربة الجذور تحكي أصالة عبد الله.. الأمين لمعارفه، ولن يعرفه أحد بغير الامتثال للأصالة في النطق واللكنة كامنة فيه..
ستون عاماً من الكتابة هي رحلة التفكير الحر لصاحبنا، رحلة ممتعة عدتها فيها طيبة صادقة، وود أصيل تجاه المعرفة، فالمجال الذي يشتغل عليه عبد الله حتماً يحدث فيه هزات تفكك عقائدية الوعي، بعمله أعاد تشكيل الخارطة الثقافية، يساءل هنا، ويناكف هناك، يعابث هنا برفق، وأحياناً بتمرد. إنها مَهمة الداعي نعم، مَهمَته أن يتوجه بخطابه إلى الجميع، لعله بن رشد مرة أخرى، لكن أكثر حرية، وأبعد من سطوة السلطان. فالرجل مثل أبا الوليد ساءه ترتيب النظر في بيتنا السوداني، فآلى على نفسه أن يبدأ كل شيء حيث انتهينا فيه، خالقاً للمعرفة هويات جديدة، يتقدمها فحص وتفسير وإعمال للغة شرهة ونزيهة. هو داعية بالمجان يذهب لمستهلكي خطابه حيث هم يقبعون، لا يأبه بكثير رهق فوق المسيرة، والدليل على حلاجيته بارز، رجل يجمع الشمس والظل، ولا فرق هنا بين عين الأكاديمي والمسرحي والقاص والناقد والسياسي والمخلص لذكرى بطله، والمؤنس الجميع يطربهم بما يعرفونه لأول مرة، وهذه مهمة الداعية يستولى على الجميع بقياس الشاهد، لا يهمه اتساق بقدر أن يصبح الفهم منتجاً وله مريدون..
عبد الله علي إبراهيم وإن يكرر ماركسيته وعلمانيته فإنه فوق الأيديولوجيا، يكفي اتفاق المثقفين على حيوية ما يطرح، يقول عن نفسه شيوعي، ويتحدث عن الكادر المنشق في الداخل، لكنه انشقاق من أجل إحداث التغيير الإيجابي، ومن يسرق النظر لمسيرته داخل حزبه سيعرف أنه وباعترافه دخل كاتباً وخرج مولاي كما خلقتني من أوضار التبعية وانهاكات الامتثال.
إن أشغال الداعية الماهر لا تتصل فقط بصياغة الخطاب بل بتعزيزه، بعبارة أوسع تسنيده، وهذه هي المهمة التي كرس عبد الله قلمه لتعلية سقف توقعاتنا فيه، بائن جداً أنه يفتتح مسارات جديدة لا يألفها غيره، هو هنا فاتح عظيم لا ينشغل بالغنيمة قدر الإياب بالمفيد، وفي مطالعتنا لفتوحاته عثرنا مجدداً على مهدي آخر، وفيها تحصلنا على تيجاني مُستأنف، ومعه تكشفت لنا حجب البادية الأنيقة البِكر، وامتدت إياديه نواحي عديدة، وفي كل خطوة كان الاحتفاء بالمتن سيد الموقف، يُجري نقاشاته بحكمة الاستهداء، والرشد ناحية النص أينما كان، لا تجد مظان أكثر سعة واحتواء مثل الوقوف على الكعب النجيض، بالفعل هذا رجل كَّتاب بل هو شوك الورق المتصل بأطراف الحقيقة..
إن في كل يد منا أثر لأشغال الداعية، فإن لم يكن أثر مباشر فهو الطيف الموزع بالتساوي بين محبيه.. وهم كثر وبه أجمل وعليه يتكئون.. إنه عبد الله علي إبراهيم (شقاق الدروب البصاص).. عقبال مئوية الداعية..
////////////////