بين الآثار والدبلوماسية: من وحي حوار السفيرين خالد موسى وطارق أبو صالح .. بقلم: د. خالد محمد فرح

 

Khaldoon90@hotmail.com

شاهدتُ في بحر الأسبوع الماضي ، من خلال شاشة قناة ” الشروق ” الفضائية السودانية ، حواراً مفيداً وممتعاً وجاذباً ، أجراه السفير الأستاذ خالد موسى دفع الله ، مع زميله السفير الأستاذ طارق حسن أبو صالح ، وذلك في إطار سلسلة الحلقات التي ظل يقدمها السفير خالد موسى ، عن مظاهر الحضارة والآثار السودانية في متاحف أوروبا ، من خلال برنامجه بعنوان: ” الحد الأدنى ” الذي يُبث بالقناة المذكورة.
دار الحوار بين ذينك الدبلوماسييْن المثقفيْن في تلك الحلقة ، حول تاريخ ومُلابسات قدوم الطبيب الإيطالي المغامر ” جوسيبي فرليني ” 1797 – 1870م إلى السودان في ظل الحكم التركي – المصري ، ونهبه للمجوهرات والحُلي الذهبية الخاصة بالملكة السودانية الشهيرة ، الكنداكة ” أماني شخيتو ” ، التي كانت ملكة على مملكة مروي بين عام 10 قبل الميلاد ، والعام الأول الميلادي ، بعد أن قام بتحطيم هرمها الكائن بالجبَّانة الملكية بمروي/البجراوية في حوالي عام 1834م ، حيث عثر على ذلك الكنز النفيس للغاية هناك ، وفرَّ به إلى بلاده أولاً ، ولم يزل يعرضه على من يستطيع شراءه منه من الأثرياء في أوروبا عموماً ، فظل ذلك الكنز يتنقل ما بين مشتر وآخر ، حتى كان آخر من آل إليه من أولئك الأثرياء ملك مقاطعة بفاريا الألمانية. وذلك هو الأمر الذي يفسر أيلولة ذلك الكنز الذي لا يقدر بثمن في نهاية المطاف ، إلى متحفي برلين وميونخ بألمانيا موزعاً بينهما.
تحدث الأخ السفير طارق أبو صالح ، وهو مهندس معماري بحكم دراسته الجامعية في الأساس ، وسبق له العمل لفترة أيضاً ، بالهيئة القومية للآثار والمتاحف ، قبل أن يلتحق للعمل دبلوماسياً بوزارة الخارجية ، حديث العارف الخبير ، والمهتم البصير بهذا الموضوع خاصةً ، وبالآثار والمعالم الآثارية السودانية ، وأماكن وجودها بصفة عامة. وقد كان حديثه ، وكذلك حديث محاوره الأخ السفير خالد موسى ، الذي ظل يُفرد مساحات مقدرة من برنامجه التلفزيوني المذكور ، للتراث الحضاري والتاريخي للأمة السودانية ، حديثاً يملأ النفس بالفخر والاعتزاز بالانتماء لهذه الأمة العريقة حقاً ، ويبعث على الطمأنينة بأن الدبلوماسية السودانية ، تظل واعية على الدوام ، بموروث السودان الحضاري والثقافي ، وخصوصاً في بعده التاريخي العريق ، بوصفه عنواناً لعظمة السودان ومجده التليد ، وذلك في إطار ما دُرج على وصفها بالدبلوماسية الثقافية ، التي تمثل هي بدورها ، إحدى أبرز تجليات ما تُعرف بالقوة الناعمة لأية أمة ولأي قطر ، نظراً للصلة القوية بين الموروث الثقافي والحضاري والتاريخي لأمة ما ، وشخصيتها الحضارية ، وصورتها العامة أو الكلية عن نفسها ، ولدى الآخرين كذلك.
فغنيٌّ عن القول أن نقرر هاهنا ، الدور الجوهري الذي لعبته الدبلوماسية السودانية ، ممثلة بصفة خاصة في مندوبية السودان لدى منظمة اليونسكو ، حتى تكللت جهود السودان بإدراج اثنين من أشهر وأبرز مواقعه ومعالمه الأثارية العديدة في سجل التراث الإنساني العالمي ، ألا وهما موقعا جزيرة مروي الذي يشمل آثار البجراوية والنقعة والمصورات وود بانقا وغيرها من الآثار الظاهرة للحضارة المروية ، ومجموعة أثار جبل البركل وما حوله من آثار مملكة نبتة ، شاملة أهرامات نوري والكرو وغيرها من المعالم والآثار الواقعة في تلك المنطقة.
وتجئ زيارة السيد رئيس الجمهورية مؤخراً لمتحف السودان القومي بالخرطوم ، لكي تتوج ذلك الاهتمام الرسمي بذلك الموروث الحضاري والتاريخي لهذه البلاد على أعلى المستويات ، وهو اهتمام هو به قمين بكل تأكيد. ولئن كان سيادته قد وجَّه بإنشاء متحف في عاصمة كل ولاية ، فلعله أن يكون من الضروري بمكان أيضاً ، أن يُصار إلى التفكير في إنشاء كليات أو أقسام للتاريخ والآثار والتراث ، على الأقل بجميع جامعات الأقاليم الرئيسية الكبرى بالبلاد التي لا توجد فيها مثل تلك الكليات والأقسام كالفاشر والأبيض وود مدني ووكسلا وسنار وبورتسودان وكادقلي الخ ، من أجل ابتدار وتطوير البحث العلمي في تلك المجالات المذكورة من منظور وطني تكاملي ، يسعى لإبراز جوانب التواصل والتكامل الثقافي والحضاري بين أجزاء السودان المختلفة ، ورصد ملامح صيرورته كأمة واحدة مترابطة منذ أقدم العصور ، وكذلك تواصله وتفاعله مع محيطه الإقليمي عبر مختلف الحقب التاريخية المتعاقبة.
ولا شكَّ في أنَّ التلازُم بين علم الآثار ومهنة الدبلوماسية على مستوى العالم ، قد ظل قائماً وملحوظاً منذ زمان بعيد. فكثير من علماء الآثار ، وعلماء اللغات القديمة ، وهواة جمع الآثار والعاديات ، بل سارقيها ومهربيها أحياناً مع الأسف ، إنما كانوا في الواقع من الدبلوماسيين. ولعل من أشهر أولئك – على سبيل المثال فقط – السير هنري رولنسون 1810 – 1895م ، عالم الآشوريات الإنجليزي الشهير الذي تمكن من فك رموز الكتابة المسمارية ، ولعب دوراً معتبراً في مجال كشوف آثار بلاد الرافدين وفارس القديمة ، فقد عمل وكيلاً سياسياً أو ” قنصلاً ” لبريطانيا ببغداد عاصمة العراق تحت ظل الحكم العثماني ، مما مكَّنه من قيامه بابحاثه وكشوفاته المبهرة تلك.
وفي العصر الحديث ، صار الاهتمام بعلم الآثار والكشوف والبعثات الآثارية ، موضع اهتمام راتب من قبل الكثير من البلدان المتقدمة. على أن الملاحظ بصفة عامة أيضاً ، هو أن ذلك الاهتمام يتم التعبير عنه مؤسسياً ، غالباً عن طريق وزارة الخارجية في البلد المعني وسفاراتها بالخارج. فالسفارات الفرنسية على سبيل المثال ، هي التي تُشرف بصورة لصيقة على أنشطة سائر البعثات الآثارية الفرنسية المتشرة في شتى أنحاء العالم ، بما في ذلك بعثتها التي ظلت موجودة في السودان منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي ، والتي تُشرف عليها السفارة الفرنسية بالخرطوم بتوجيه مباشر من الخارجية الفرنسية. أما عن التعاطي الأمريكي مع ملف التعاون في مجال الآثار ، وصلة ذلك بالدبلوماسية ، فيكفي أن نشير في هذا المضمار إلى أنَّ بند التمويل المالي لأنشطة البعثات الأثارية الأمريكية في العالم ، وغيرها من أوجه التعاون الثنائي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى في مجال الآثار ، يُسمى بمال السفير ، أو The Ambassador`s Fund ، ويا له من مال !!.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً