بين التجارة الخارجية والإصلاح الإقتصادي .. بقلم: محمد المرتضى مبارك اسماعيل


في ذات معاني المقال الجيد للدكتورة نازك حامد الهاشمي بالعنوان إعلاه نود التأكيد على أن دور التجارة بصفة عامة والتجارة الخارجية في الإصلاح الإقتصادي قد إزداد خطره وتعاظمت أهميته منذ الربع الأخير من القرن العشرين ومطالع القرن الحالي بسبب التطور الكبير الذي شهدته إقتصادات العديد من الدول النامية والأكثر نمواً في منظومة دول الجنوب وإستعار المنافسة بينها ودول الشمال التي شهدت أزمات مالية وإقتصادية متلاحقة فضلاً عن التنافس على مصادر المواد الخام والوصول إلى الأسواق Access to markets.
وأفضى النمو الإقتصادي الكبير لعدد من الإقتصادات الصاعدة في دول الجنوب إلى خشية الدول المتقدمة في المنظومة الغربية من فقدان وضعها المتميز في الإقتصاد العالمي بسبب إعتمادها على المواد الخام الرخيصة من دول العالم الثالث وتحويلها إلى قيم مضافة عشرات المرات كأرباح طائلة الأمر الذي جعل الدول الغربية تصر على إلغاء الدول النامية لضريبة الصادر Export Tax على المواد الخام وهي ضريبة هدفها تقليل تصدير المواد خاماً وتشجيع تصديرها معالجة وكذلك لتحقيق قيم مضافة على الصعيد الإقتصادي والمالي والنهوض بالصناعة من خلال عمليات المعالجة الأولية والصناعات التحويلية وما يفضي إليه ذلك من نقل للتكنولوجيا وتنمية القاعدة العلمية والتعليمية وخلق مواطن للشغل وإنجاز تطور مطرد في وضع البلاد في سلاسل القيمة Value Chains على مستوى الإقليم والعالم وهى المعيار الأدق لتحقيق تنمية إقتصادية حقة بما ينعكس رفاهاً وإستقراراً سياسياً وإقتصادياً وبما يستديم التنمية ويحفظ وينمي موارد البلاد لصالح الأجيال القادمة عوضاً عن الهدر الذي يمثله تصدير الموارد خاماً. وتلك الضريبة التي يسعى الغرب إلى إلغائها من قبل الدول النامية والأقل نمواً خلال مفاوضات إنضمامها لمنظمة التجارة الدولية تعتبر من أهم الآليات التي طبقتها الدول الغربية لإنجاز نهضتها المآثلة الآن.
ولعل مما زاد من مخاوف الدول الغربية ظهور دول كالصين تقدم خيارات في مجالات التنمية والتجارة والإستثمار دون مشروطيات سياسية هدفها النهائي ليس تحقيق مثالات الديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر ما تهدف لفرض شروط إقتصادية كالحصول على مواد خام رخيصة من الدول النامية وفتح أسواقها مجدداً لذات المنتجات وغيرها بقيم مضاعفة عشرات المرات الأمر الذي حدا بمجموعات الدول النامية في جنيف إلى مقاومة أجندة تسهيل التجارة التي دفعت بها المجموعة الغربية بشراسة بحسبان أن تسهيل التجارة سيكون عملية من إتجاه واحد One way road إذ أن الدول النامية وخاصة المتوسطة والأقل نمواً ليس لديها ما تصدره وكان الأولى أن ينظر للمسألة في إطارها الكلي الذي يستلزم تقديم الدعم الفني وبناء القدرات ونقل التكنولوجيا لتمكن الدول النامية من تطوير مقدراتها الإنتاجية لزيادة وإستدامة الإنتاج ليكون تسهيل التجارة طريقاً ذا إتجاهين ومصلحة متبادلة لا وبالاً يقضى على أنماط الإنتاج المحلية ذات المقدرات التنافسية والإنتاجية الضعيفة.
ولأجل ذلك إهتمت العديد من الدول بتطوير كفاءة مؤسساتها الرسمية المعنية بالمجال التجاري وفي مقدمتها وزارات التجارة بحسبان أن المنتج النهائي الزراعي، الصناعي، التعديني والخدمي يتحول إلى سلعة تجارية تتولي تسويقه سياسات وزارة التجارة من خلال فتح الأسواق الداخلية والخارجية وضمان مقدرة المنتج على المنافسة من حيث الجودة والإشتراطات المتعلقة بظروف الإنتاج من إحترام حقوق الإنسان وعدم الإضرار بالبيئة والوفاء بالضوابط الصحية اللازمة لسلامة المنتج وهي قضايا خلقت تقاطعات لعمل منظمة التجارة مع منظومات العمل المتعدد على المستوى الأممي الأخرى كمنظمة العمل الدولية، منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان.
بناءاً على ما سبق لا بد من النهوض بكفاءة وزارات القطاع الإقتصادي ووزارة الخارجية في التعاطي مع تلك الملفات من خلال التدريب المتصل ورفع القدرات وإنشاء وحدات متخصصة في تلك المجالات، عمادها مختصون يباشرون تلك المهام طيلة خدمتهم الحكومية لتفادي هدر الكوادر نتيجة الإستثمار في مجموعات عديدة تخضع لتدريب ورفع قدرات ينتهي بها المطاف إلى إدارات أخرى مختلفة جداً ليبدأ العمل بتدريب كوادر أخرى بعضها قد لا يحسن إختياره فيكون إهداراً لفرص تدريبية ثمينة تقدمها منظمات كالتجارة الدولية للبلاد النامية والأقل نمواً كالسودان لإعانتها على تأهيل الكوادر اللازمة لإنجاز الإنضمام إلى المنظمة والدفاع عن مصالح البلاد في الحقبة الأصعب، حقبة ما بعد الإنضمام إلى المنظمة والتي يمكن أن تتضرر منها البلاد كثيراً إذا إنضمت بشروط مجحفة جراء ضعف الكوادر خلال عمليات التفاوض وتحضير الوثائق وإدارة عملية إنضمام ناجحة ومكتملة على مستوى هياكل الإنضمام والتفاوض الداخلي لكل قطاع والمنبثقة من الإستراتيجية التنموية الكلية للدولة. ويجب في ذلك إشراك جميع قطاعات المجتمع من عمال وموظفين ورجال ونساء أعمال ومستهلكين لما للإنضمام للمنظمة من آثار هامة إيجابية كالوصول إلى الأسواق وخاصة في الدول المتقدمة، يجب الإفادة منها إلى مداها الأقصى الممكن، وآثار سلبية ينبغي تلافيها أو أقله التقليل منها كالآثار على الصناعات الناشئة Enfant Industries.
وللتغلب على مشكلات ضعف حوافز العمل بالقطاع العام لا بد من إعتماد مبدأ المنافسة في إختيار العاملين في الإدارات ذات الصلة بعمل المنظمات الدولية والإقليمية في مجال الدبلوماسية الإقتصادية والتجارية والتنموية وتركيز الدورات التدريبية عليهم مع فتح فرص المنافسة لدخول تلك الدائرة سنوياً ممن يستوفون المعارف الضرورية كاجادة الإنجليزية والمعرفة الجيدة بالموضوعات ذات الصلة وآليات عمل تلك المنظمات ومزاوجة ذلك بتدريب عدد مقدر من الدبلوماسيين في تلكم المجال وتشجيع بعض الدبلوماسيين في الدرجات الدنيا والوسيطة على التخصص فيها ليمثلوا كتلة حرجة Critical Mass، يختار من بينهم من يتولون مسؤولية تلك الملفات في عواصم الدبلوماسية متعددة الأطراف بنيويوك وجنيف وفينا وأديس والقاهرة، وتسطع أنجم منهم ليكونوا مندوبين دائمين للسودان بتلك العواصم خاصة أن المعرفة المعمقة في تلك المجال هي ما يميز المندوبين الدائمين المقتدربين لما تتطليه من تراكم معرفي كبير أكثر من الشق الآخر الذي تمثله دبلوماسية الشؤون الإنسانية وحقوق الإنسان رغم ميلنا للإحتفاء بها أكثر على الرغم مما تمثله دبلوماسية التنمية والإقتصاد والتجارة والتنمية من منظمات أكثر عدداً وأبعد أثراً وأكثر خدمة لمصالح البلاد وهي العلاج الذكي وغير المباشر والمستدام لمشكلات حقوق الإنسان والقضايا الإنسانية كما أثبتت تجارب العديد من الدول.
Murtada235@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً