بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الإلتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (12) .. بقلم: محمد فقيري
12 سبتمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
22 زيارة
يدعوا الحداثيون إلي تحديث الفقه ، بمعني مراجعة الأحكام التشريعية الخاصة بحياة الناس ومعيشتهم ، الأحكام الخاصة بحريات الناس ، الأحكام الخاصة بالمعاملات ، الأحكام الخاصة بالعلاقات الإقتصادية بين الدول ،الحديث عن تجديد الفقه لا يعني رمي الفقه القديم بإكمله في عرض البحر ، ولا يعني إنكار الحديث جملة ، ولا يعني حرق كتب السلف والبدء من الصفر ، فالسلف كلهم إجتهدوا وصنفوا الكتب وإستنبطوا الأحكام حسب ظروفهم المكانية والزمانية والإجتماعية ، ولكن ، يبقى أن في كتبهم ما يؤخذ وما يُرد ، في كتبهم وأقوالهم ما يفيدنا في عصرنا من أحكام ، وفيها ما لا يلزمنا ولا يتماشي مع علاقات عصرنا وظروفنا ، وعندما نقول السلف نعني كل السلف ، فالسلف هم كل من سبقنا في الزمان ، ونحن حسب مفاهيمنا نأخذ منهم جميعاً ما يوافق ظروفنا ويخدم حياتنا وينظم مجتمعاتنا ، وتصنيف السلف بسلف صالح وسلف طالح ليس موضوعياً ، كلهم قالوا بآراء مُخْتلف عليها ، كلهم بشر يخطئون ويصيبون ، ونجتهد نحن ونخطئ ونصيب. ، ويأتي بعدنا من نُصبح نحن سلفاً لهم ، الذين يسمون أنفسهم بالسلفيين يحتكرون (السلفية) لأنفسهم ، رغم أن السلفية تعني كل ما كان سالفاً ، في كل العلوم ، في الدين والسياسة والفن والإقتصاد والإجتماع ، كل المذاهب والفرق الإسلامية سلف ، ولكل منهم إجتهاد ، ولكل منهم رأي مخالف للآخر ، إختلفوا حتى في أحكام العبادات ، دعك من المعاملات ، والمدرسة السلفية الحالية إمتداد لمدرسة سيطرت على المجتمع يفكرها ووضعت هذا الفكر وكأنه الحق المطلق ، وأن كل فكر عداه باطل ، ولذلك تجدهم متعصبين في كل الأوقات ، سريعوا الإنفعال ، متزمتون سريعوا التكفير والإخراج من الملة ، يفترضون في الآخرين الهوى والزيغ والبُعد عن الدين الصحيح ، ومن سلبيات مذهبهم أنهم يقيمون (هالة قدسية) للأشخاص ، ويشتشهدون بأقوال هؤلاء الأشخاص وكأنها منزلة ، والرأي صحيح ، والحُكم صحيح ، والحديث صحيح ، مادام قاله فلان من السلف، الحافظ العلامة الشيخ المُحدث الفقيه ، درة عصره وقمر زمانه ، فلان الفلاني ، فمجرد نسبة القول إلي إسم من الأسماء يجعل القول صحيحاً ، وإذا إختلفتَ معهم في رأي من آراء السلف ، يحاورون بلإستشهاد بنفس الرأي الذي تختلف معه ، يأتون بنصه كما هو ، دون حتى توضيح أو شرح أو تعليق ، وقد سعوا في القرن السابع إلي قفل باب الإجتهاد تماماً ، وأصبح كل رأي جديد مُحدثة وبدعة لم يقل به أحد من السلف ، وهكذا حصروا الدين في فهم الأولين ، وقرروا الإعتماد على فقه السلف ، والحقيقة أن عدم الإعتماد على فقه (السلف) بدأ مع الإمام علي رضي الله عنه ، فعندما طُعن الخليفة عمر رضي الله عنه ، أوصى جمعاً من الصحابة أن يختاروا بين عثمان وعلي ، وحكّم إبنه عبدالله كمرجح بينهم ، فذهب الصحابة اولاً إلي علي ، وعرضوا عليه الأمر ، بشرط أن يتبع كتاب الله وسنة رسوله وإجتهاد الخليفتين أبوبكر وعمر ، فقال علي ، أمّا كتاب الله فنعم ، وأمّا سنة رسوله فنعم ، امّا إجتهاد أبي بكر وعمر فسوف أجتهد كما إجتهدا. كان بين وفاة الرسول وعرض الصحاية لعلي بتولي الأمر ، اثنتا عشرة سنة فقط ، ورفض علي أن يعتمد إجتهاد أبي بكر وعمر ، لمعرفته بأن الأوضاع تغيرت في تلك الفترة القصيرة ، مع الأحداث العظيمة التي حدثت ، فكيف لنا بعد أكثر من عشرة قرون أن نعتمد فقه القرون الأولى ، أو كيف لنا أن نعتمد فقه القرن السابع أو الثامن حتى.
لم يتوقف إنشقاق الفرق على الفرق السلفية الكثيرة ، بل تكونت فرق إسلامية أخرى ، كلها تدّعي الصلاح والفلاح ، وكلها تؤمن بأنها على الطريق القويم ، كلها تستدل بآيات من القرآن ، وكلها تعتقد بأن الرسول إنما عناها هي بالفرقة الناجية ، كلها مستعدة للقتل والحرق والذبح وتقطيع الناس تقرباً لله ، كلها تكفّر بعضها ، كلها لا ترى في غيرها حسنة واحدة من الحسنات. كلها تتصارع في تخطئة بعضها البعض ، فلا تسمع لهم محاضرة أو ندوة وإلاّ كان الكلام فيها عن فرقة أخرى فارقتهم وبالتالي فارقت الدين الصحيح ، وإستحقت بذلك الشتم واللعن والتكفير ، الساحة كلها هجوم وهجوم مضاد ، ليس في الساحة من يعلّم الأخلاق ، وليس فيها من يخاطب الروح ، وليس فيها من يشرح آداب الإسلام ، ليس فيها من يدعو إلي وفاق ، ليس فيها من يتحدث عن الله الغفور الرحيم ، ليس فيها من يشير إلي أن الله يغفر الذنوب جميعا ، وليس فيها من يدعُ إلي سبيل الله بالمنهج القرأني ، ففي القرآن آية ، لو تدبّرها الدعاة وعقلوها ، لتحول العنف إلي لين ، والغلظة إلي رقة ، والشتم إلي رفق ، واللعن إلي سماحة ، والتكفير إلي دعاء بالهداية ، { ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125 النحل ) ، بالحكمة ، بأن تكون حكيماً ، تعلم ماذا تقول وكيف تقول ومتى تقول. والموعظة الحسنة ، إذا كانت هناك موعظة حسنة ، فهذا يعنى أن هناك موعظة غير حسنة ، الموعظة هي نفسها ، ولكن عليك أن تحسّن موعظتك ، قد تعظ وأنت عبوس وقد تعظ وأنت مبتسم ، قد تعظ وأنت منفعل وقد تعظ بهدوء ، فأختر من العظة ما يوافق الحكمة ، ومن الأسلوب ما يجذب ، لا ما ينفّر ، وجادلهم (الجدل الواحد ده) ، جدل الفلسفة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، لا تجادلهم حتى بالتي هي حسن ، أرفع الجدال إلي التي هي أحسن ، أمزج الحدل بسابقيه ، الحكمة والموعظة الحسنى ، وفي تلك الحالة ، فلا يدخل في الجدال منطق الشتم والسب واللعن والتكفير والتشكيك والإتهام والتجهيل والتفاف والصراخ والتهديد. ثم ، بعد الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، أترك الناس لرب العالمين ، فهو أعلم بمن ضل ، وهو أعلم بالمهتدين ، أترك الناس لرب العالمين ، إليه إيابهم ، وعليه حسابهم.
مع تكاثر الفرق الإسلامية ، بدأ البحث بينهم عن (الفرقة الناجية) ، وهو بحث يراد به تحديد فرقة معينة هي التي سوف تدخل الجنة كفرقة ، وأما بقية الفرق فإلي جهنم وبئس المصير ، يريدون تقسيم الناس إلي أهل جنة وأهل نار في الدنيا قبل الآخرة ، ولو تفكروا قليلاً لعلموا أن تحديد من سيدخل الجنة متروك لله وحده يوم الفصل والحساب. وهو يوم لا تنفعك فيه فرقة ولا جماعة ، هو يوم تأتي فيه فرداً كما خُلقتَ أول مرة ، والله سبحانه وتعالى لا يحاسِب الناس بمعايير الناس ، إنما يحاسبهم بمعايير يعلمها هو وحده ، معايير تتعلق بما في داخلك ، بنيتك ، بسرك وأخفى ، وإذا دخلتَ الجنة ، ونجوتَ من النار ، فسوف تدخل الجنة ــ برحمة من الله ــ فرداً ، لا كفرقة ، فأبحث عن النجاة ، وألزم من الأعمال ما ينجيك ، وما ينجيك من النار ويدخلك الجنة ليس لغزاً تحله فرقة ، وليس صعباً تسهله جماعة ، ما ينجيك من النار يعلمه الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ، ذلك الأشعث الأغبر ، ما ينجيك من النار واضح لا لبس فيه ، فلا تبحث عن فرقة ، أبحث عن نفسك ، وأدّبها بأدب النبي ، ويوم أن تدخل الجنة ، فقط عندما تدخل الجنة ، عندها فقط ، ستعلم أنك من أهل الجنة ، أما في الدنيا ، فلا مجال لمعرفة أهل الجنة من أهل النار ، والعظيم عمر ابن الخطاب ، المُبشر بالجنة ، كان يقول (لو نودي يوم القيامة أن يا أهل الأرض كلكم يدخل الجنة إلا رجل واحد لخشيت أن أكون أنا ذالك الرجل).
نواصل
fageer05@gmail.com