مرت تجارة العملة في السودان بمراحل وإيقاعات مختلفة والاسباب وراء الانتشار والتدهور السريع والمتعاظم للعملة الوطنية بلا شك خلل السياسة الاقتصادية والإدارية للحكومات المتعاقبة وعلى الرغم من كونها الوسيلة المهفوفة بالمخاطر وغير الامًنة للطرفين واثرها السلبي وأخطارها الجسيمة الا ان مصير المضطر ركوب الصعب لانها كانت القناة الوحيدة في بعض الفترات لتوصيل معاش اسر المغتربين وتسيير حاجات الدولة والمرضى وطلاب البعثات من العملة الصعبة وخاصة في فترة الإنقاذ بسبب الحصار الاقتصادي اكثر من عقدين وازدادت عقب انفصال الجنوب وكان تجار العملة في ذاك الزمان تاج راس الجميع ومحل تقدير واحترام الناس لدورهم في تسهيل امر التحويلات وهؤلاء التجار هم النوع الاول من تحار العملة وتدور الزمان ليرى المجتمع تجار العملة وكانهم شياطين الجن وأشرار المجتمع وأسباب الدمار وتردي الأحوال وشدة الأهوال والأوجاع والمعاناة وهذه النظرة لمن ينظر بالعقل الجمعي صحيح وواقعي مع الاستثناء ان بعضا منهم شرفاء ولا يستحقون النظر اليهم بعين الرييه والحسد اما النوع الثاني من تجار العملة فهم الفئة الانتهازية الدخيلة ويستحقون ان يوصفوا بالجشع والابتزاز والفساد والطمع والاحتكار وعلى راسهم بعض كبريات الشركات المحلية والأجنبية وشخصيات نافذة في الدولة وبعض البنوك التجارية ولو ارادت جهات الاختصاص بمتابعتهم وتجريمهم فهي عملية معقدة ولكن الوصول اليهم ليس مستحيلا فقد ترك هؤلاء نشاطهم المرخص لهم وتحولوا في متاجرة العملة للكسب السريع باستغلال النفوذ وادخال عملات مزورة وممارسة غسل الاموال وطبع العملة الوطنيةعلى المكشوف خارج معايير البنك المركزي وتهريب العملة الصعبة عن طريق المنافذ الي حساباتهم الشخصية خارج البلاد و لم يكن متاجرتهم بغرض تمويل التجارة وتسيير الحياة بل كانت استغلالا للظروف ولتعظيم ثرواتهم الشخصية خارج البلد والدليل على ذلك ان حجم التجارة كانت تفوق مطلوبات احتياجات البلد باضعاف واضعاف وعلى اثر ذلك امتلات السيولة التي تبحث عن الدولار حتى طارت كالصاروخ وارتفعت معها دخان نيران أسعار كل ضروريات الحياة وتفاقمت المعاناة ولا يزال التدهور والغلاء في الاتجاه التصاعدي بعد تحرير السوق
اما التجار الافراد وبعضا من المؤسسات فهم النوع الاول واول من مارسوا نشاط تجارة العملة باستبدال مدخرات ومصروف اسر المغتربين في فرندات السوق الإفرنجي والعربي ثم تطوروا بعد تطور وسائل التواصل لشراء العملة عبر مناديبهم من المغتربين في دول المهجر وهؤلاء حجم تعاملهم لا تمثل الا القليل من حجم التعامل الكلي وقدموا خدمات التوصيل السريع لاسر المغتربين وكذلك للرأسمالية الوطنية من التجار الذين اضطروا الي مواصلة تجارتهم بالسوق الاسود واستيراد السلع الضرورية والأدوية وحتى لو استغل بعضهم الظروف علينا ان لا ننظر عليهم بنظرة الحسد او حرمية فالبلد كان في حوجة ماسة لدورهم لذلك ليس من العدل النظر بنظرة سلبية كلية الا من طغى وتجبر وظلم واستغل الظروف فحسابه عند الله
تجارة العملة موجودة في كل اصقاع الدنيا بعضها مقننة باجراءات وتنظيم وتحت رقابة اجهزة الدولة وبفوائد هامشية تسهيلا لحركة النشاط الاقتصادي وتلبية احتياجات الناس وقت إغلاق المصارف وتفاديا للزحام عند مراجعة فروع البنوك وخاصة في الدول المستقرة اقتصاديا اما في البلدان ذوات الاقتصاد الهالك الضعيف ولا يمتلكون نقد اجنبي كافي لمجابهة التزامات التجارة الخارجية من الجهات الرسمية فمن الطبيعي ان تقوم جهة ما بتلبية الفجوة وهذا ما حدث في السودان طوال السنوات التي مضت الا ان الطفيليين النوع الثاني من تجار العملة استغلوا وعاثوا في البلد فسادا واستباحوا بالعملة الوطنية احد رموز السيادة الوطنية وتركوها هزيلا تترنح وسط عملات العالم – فالدولة طالما عزمت على محاربة تجارة العملة غير المقننة وبعد التركيز على الانتاج والتصدير فلتبدا اولا بضبط الشركات ذوات السجل السئ وتضعها تحت الرقابة المشددة لعدم تكرار التلاعب بالعملة وعدم الاشتغال بما لم يصرح لهم من أنشطة اما النوع الاول من التجار فهم الافراد الذين كانوا يتعاملون عبر مناديبهم فلا ضرر ان تثني عليهم الدولة على خدماتهم ومواقفهم ودورهم في تسيير سبل الحياة في الزمن العجاف وتوجه لهم رسالة واضحة آن الآوان التوقف عن الطرق التقليدية وان اردتم الاستمرار في السوق الموازي عليكم افرادا وجماعات التحول للحصول على رخصة ممارسة التجارة من خلال مكاتب صرافات بضوابطها المعروفة وفقا لسياسات ومتطلبات البنك المركزي وإذا كانت الدولة على قناعة بان برامجها الاقتصادية والتي تعكف على تنفيذها حاليا قادرة على توفير ما تسد الاحتياجات الضرورية من النقد الأجنبي فعليها ان تخطوا خطوات اخرى متقدمة لتعزيز موقفها بان لا تسمح بإدخال السلعة الممولة من خارج النظام المصرفي وايقاف توريد السلع الكمالية وتشجيع الصناعة والمنتجات المحلية حتى تستقر وتزدهر خزينة الدولة وتفي بحاجة السوق بالقدر الأكبر والخلاص من السوق الأسود بقوة الاقتصاد والاجراءات العملية وليس بالإجراءات الأمنية
دكتور طاهر سيد ابراهيم
عضو الأكاديمية العربية الكندية
tahirsayed-67@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم