في قفلة من تاريخ السودان الحديث، بزغ نجمُ ما يدعى “حميدتي” الذى تجمّعت في يده مفاتيحُ السلطة كلُّها: العسكرية، والسياسية، والاقتصادية. بدا وكأن الأقدار قد هيّأت له الساحة ليُعيد تشكيل وجه الوطن وفق هواه. ولم تمضِ أيامٌ حتى تحوّل إلى دولةٍ تمشي على قدمين، وإمبراطوريةٍ يُدين لها الجميعُ بالطاعة، دون تردّدٍ أو استثناء.
رجلٌ بلا مؤهّلٍ عسكريٍّ يُذكَر، سوى تاريخه كقاتلٍ مأجور، احترف القتلَ حِرفةً، وسخّرته المؤسسة العسكرية – الخاضعة لهيمنة إسلاميي المؤتمر الوطني – ليقود حملات الإبادة في دارفور نيابة عنهم. ارتقى على جراحنا، وتاجر بدمائنا، حتى صار رمزًا لسلطةٍ تُفرَض بالقهر، لا بالشرعية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد جرى تعيينه – بكل ما تحمله المفارقة من سخرية – رئيسًا للجنة اقتصادية إلى جانب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الذي يحمل خلفيةً عريقةً في مؤسسات دوليةٍ وعلميةٍ مرموقة. لكنّ الرجل – الذي لا يعرف من الاقتصاد إلا تجارة الإبل والحمير في صحارى دارفور – بدا مؤهّلًا، في نظر من أتوا به، لإدارة اقتصادِ وطنٍ يتهاوى على شفير الانهيار.
اجتمع في جسد هذا الرجل القاتلُ والتاجرُ؛ لا يفهم في السياسة إلا كما يفهم الجملُ في علم الفلك، ولا يعرف من الاقتصاد إلا ما يجلب له الربحَ السريع، ولو من جلود الضحايا. ففي وطنٍ انقلبت فيه الموازين، وصارت المناصبُ جوائزَ حرب، أصبح الطريقُ إلى القمّة لا يُعبَّد بالمؤهلات، بل بالولاء والدم: كلّما قلّ الفهم، ارتفع المنصب؛ وكلّما زادت الجرائم، عظُم المقامُ في مجلس السيادة.
أما الشعب، فقد كُتب عليه أن يعيش داخل مسرحيةٍ عبثية، أبطالُها تُجّارُ دمٍ وعرّابو فساد، بينما تتولى الواجهةُ الإعلاميةُ تلميعَ الصورة: القتل يُسمّى “عمليةً أمنية”، والنهب يُوصَف بـ”تدابير اقتصادية”. كانت الدولة تتفكك بصمت، كما ينهب اللصُّ بيتًا نائمًا في جوف الليل، بينما يُمنح السارقُ وسامَ الشجاعة، ويُطلب من الضحية أن تُصفّق له.
وها هو اليوم يُشعل حربًا بلا معنى، يزعم أنها ضد “الفلول”، لكنها في حقيقتها حربٌ بالوكالة من المتربصين ضد الوطن والمواطن، لا يُحصد فيها النصرُ إلا خرابًا.
وفي خضم هذه الفوضى المستعرة، يبقى السؤال الأبرز: إلى متى يستمر هذا العبث، وإلى متى سيظل الوطن رهينةَ أهواء قادته؟ هل سينهض الشعب من رماد الخراب ليعيد بناء وطنه الممزق، أم ستظل تلك الدوائر المظلمة تُعيد إنتاج ذاتها بلا نهاية؟ التاريخ لا يرحم، ولا مكان فيه لمن خان الأمانة، فالشعب السوداني الذي عانى طويلاً يستحق أن يكتب فصلًا جديدًا من الحرية والكرامة والعدالة، بعيدًا عن ظلال الدم والفساد. فلعل الأمل يُولد من رحم الألم، ويشرق فجرُ وطنٍ جديد، يستحقه الجميع.
مجدى رشيد
اكاديمى ومهنى
المانيا فى ٢٥ يونيو ٢٠٢٥
magdi.rashied@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم