تحريف الرسالة المحمدية: تمثال الشهيد عظمة .. بقلم: خالد أحمد
23 سبتمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
22 زيارة
kh_ahmmed@hotmail.com
عندما تحدثنا في المقال السابق ووحدنا بين جماعات أنصار السنة والدواعش والأخوان المسلمين والسلفية لم نقل ان تلك الجماعات متطابقة وإلا أصبحت مجموعة واحدة، ولكن توحيد تلك الجماعات يرجع إلى اعتمادهم على منهل واحد وطريقة واحدة لقراءة الإرشاد الإلهي وهو ما جعلهم يعتمدون على ذات الأصول الكتاب والسنة والقياس والإجماع، فمنهم من يأخذ بالكتاب والسنة وأقوال السلف ومنهم من يأخذ بالكتاب والسنة والقياس، وعدم توحدهم يرجع فقط إلى اختلاف في ترتيب مقاصد الشريعة وقراءة الواقع من خلال النصوص وتاريخ الرسالة، فهو اذا اختلاف في المقدار وليس اختلاف في النوع، ورغم تكفير تلك الجماعات لبعضها البعض ولكن يرجع ذلك إلى الوحدة الايدولوجية للفكرة التي تقوم عليها تلك المدارس والتي لا تستوعب حتى الاختلاف الجزئي. فهي اذا جماعات تتكامل مع بعضها البعض ففي حين تقدم أحداها الجهاد تقدم الأخرى الشريعة الإسلامية وتقدم الثالثة الحكم والسياسية وتقدم رابعة الدعوة الاجتماعية، ويعمل كل ذلك على سيادة رؤية أحادية للرسالة الإرشادية.
من ذلك الفكر القاصر عن استيعاب الإرشاد الإلهي جاء رفض البعض لنصب تمثال الشهيد عبد العظيم “عظمة” باعتبار ان ذلك عودة إلى الكفر وعبادة الأصنام كما تدعي وكل ذلك من اجل افتعال معركة حتى تثبت تلك الجماعات انها موجودة على ارض الواقع وتعمل على العودة إلى الشارع السوداني الذي تشبع بمفاهيم الثورة المدنية، فعملت وستعمل على استغلال كل مدخل يتلاقي مع رؤيتهم البعيدة عن الواقع من اجل عودتهم للحياة من خلال إثارة الرأي السوداني وعدم السماح للمدنية بترسيخ أقدامها.
فالرؤية الايدولوجية التي تقوم عليها تلك الجماعات والتي تسمي بالإسلام ونسميها بالفكر العربي الإسلامي والتي تضم كل تلك الجماعات أغلقت ذاتها داخل محيط زمان النبي قبل وبعد الدعوة، وتأتي من ذلك الزمن بكل رؤيتها للحياة والمعاني للأشياء، فما يدل عليه الشيء في ذلك الزمان هو ما يكون عليه الآن فلا وجود لمفهوم التحولات الاجتماعية أو الاختلاف، ونجد ان الصنم في ذلك الزمان يدل على معنى واحد وهو الربوبية ولا يوجد ترميز في شكل صنم لأشياء أخرى ولذلك تنفعل تلك الجماعات بذلك المعنى الوحيد دون إدراك ان الأصنام اختلفت في معناها عن ما كانت عليه في ذلك الزمان، فأصبحت ترمز الآن إلى الشعوب والى مراحل تاريخية داخلها والى أحداث محددة في مسيرتها ولا علاقة لها بالمعنى السابق وهو الربوبية، ولكن تلك الجماعات لا تحي في هذا الزمن ولا تدرك الاختلاف في المعاني وتعيش في قوقعة ولذلك لا ترى الثورة السودانية ولا عظمة وغيره من الشهداء. فهي تسير في شعاب مكة مغمضة العينين وعندما ترى تمثال فهي ترى أبو سفيان وغيره وهو يتقرب زلفى من اجل تجارة أو حرب أو غيره، فيتحول تمثال عظمة بين ليلة وضحاها ليس ليكون بقرب من تمثال عبد السلام وسنهوري وغيرهم من رفاقهم الذين سطروا أسمائهم في دفتر الثورة السودانية وتعبر تماثيلهم عن الأفراد الذين ساهموا في إخراج المجتمع السوداني من ابشع مرحلة مظلمة من تاريخ السودان، ولكن يتحول تمثال عظمة ليكون بالقرب من اللات والعزى كما ترى تلك الجماعات المغلقة داخل عقلية عقيمة وتحاول ان تفرض علينا ما تراه.
وعندما يتقرب الشباب إلى التاريخ السوداني بمحاولة نصب ذلك التمثال يفرون هربا من الواقع ومن السنن الكونية ويقيدون أنفسهم بمقولات اقنعوا ذاتهم بأنها حقائق إلهية، يفرون هربا إلى محاولة الحياة في ذلك الزمن باعتباره الزمان الوحيد الحقيقي وبقية الأزمان مزيفة في مغالطة لحقائق الواقع والتاريخ والتحولات الاجتماعية والاختلاف الإنساني وفي مغالطة للإرشاد الإلهي.
فعلى شباب الثورة إدراك ان تلك الفكرة الايدولوجية المحورية لتلك الجماعات أصبحت مع مرور الزمن صماء تماما ولا يجدي الحوار معها أو محاولة إقناعهم بوجود فكر مختلف عن ما يحملونه، فالفئة المؤدلجة هي فئة مغيبة تماما عن الواقع وعن ما يحدث به ولا تنفعل إلا عندما تجد علاقة ما بين الواقع وبين ايدولوجيتها الفكرية، وكذلك على الشباب إدراك ان المجتمع غير المؤدلج هو لا يرجح مدرسة على أخرى ولا يرى الاختلافات بين تلك المدارس، ورغم إدراكه للاختلاف بين واقعه وقيمه وبين تلك المدارس لكنه لا يجد فكر آخر يرد به عليها فقد تركته النخب يواجها وحيدا، ولذلك عندما يري مصادمة بين تلك المدارس وبين قيمه الذاتية يلجا إلى السلطة المجتمعية ويفرض من خلالها قيمه عليها. فعلى الشباب تكرار المحاولات مع الأفراد غير المؤدلجين من اجل إقناعهم باختلاف مفهوم التمثال الحالي عن تماثيل تلك الجماعات واختيار مكان يجد فيه ذلك التمثال الموافقة من الجميع، وباعتبار ان الهدف في هذه المرحلة هو نصب التمثال باعتباره يمثل رمزية لمرحلة تاريخية مهمة من عمر الدولة السودانية فمن الممكن كاقتراح ان ينصب أمام مركز شباب الربيع مثلا باعتبار رمزية اسم الشباب في المركز فهم الفئة التي قادت الثورة وأدت إلى نجاحها وهي الفئة التي ضحت كثيرا من اجل ان نصل إلى هذه المرحلة، أو يمكن نصبه في أي مكان آخر لا نجد فيه رفض من احد.