تعقيب على د. القراي: الديمقراطية ليست مفهوم قرآني .. بقلم: هشام مكي


أستاذنا الكريم د. عمر القراي لك كل الشكر على تحريك ساكن القضايا و رفدها بالمفيد. في مقاليك في التعقيب على الاستاذ كمال الجزولي بعنوان (الشورى ليست ديمقراطية) انتقدت ربط الاستاذ كمال للديمقراطية بالشورى و اعتباره أن الديمقراطية أصلٌ في الشورى و كونها بالتالي مطلوبة في الإسلام أو كما قال. و أبنت بشكلٍ رائع و بتحليلٍ بليغ كيف أن لكلٍ منهما غرضها المختلف جداً عن الأخرى و أدواتها المختلفة كذلك، كما أبنت أن الشورى ليست ديمقراطية و أن نظام الحكم في الشريعة الاسلامية هو حكمٌ فردي لا يقبل التعدد، و قد كان كل ذلك صائب في اعتقادي.
و ما أود قوله هنا في معرض اتفاقي مع فكرتك الأولى التي عبرت عنها في المقال الأول، أن الخلاصة المنطقية لهذا الأمر، أن لا شئ مشترك بين الديمقراطية كنهج للحكم ابتدعته الإنسانية في سيرورة تطورها المستمرة من ناحية و الدين أياً كان كنهج ثابت لا يقبل التغيير و التطوير. فالدين عقيدة تهتم بالعبادات و المعاملات و هي ليست فكر بل فلسفة و طريقة حياة لا تقبل التنقيح و الزيادة أو النقصان إنما تؤخذ كما هي أو تترك كما هي. و من ناحية أخرى فالديمقراطية بنت الأرض لا تزعم نزاهة و لا قدسية لذا تبقى أطرها العامة ثابتة و تتبدل وسائل ممارستها، و معلوم أن الديمقراطية قد نشأت في أوروبا كنتيجة لانتهاج العلمانية كطريقة في سياسة الأمور و التخلي عن النهج الديني ، فما لله لله و ما للناس للناس.
لكنك بعد أن أعبت على الاستاذ كمال الجزولي أن يصطنع للديمقراطية أصلاً في الإسلام يسمه الشورى أو غيرها، عدت و فعلت أنت الشئ  نفسه لكن بعد أن أخذت دورة كبيرة قطعت بها أنفاسنا، لتصل إلى قناعاتك المسبقة، و دعوتك التي بها تبشر، أن لا إسلام إلا ما أتى به الاستاذ محمود محمد طه، و أن هذا الإسلام الجمهوري فيه كل ما تشتهون، ديمقراطية و اشتراكية و مساواة وحقوق إنسان و كل شئ، فقط عليكم أن تؤمنوا به و تتركوا ما عداه. و هنا – و للأسف – (نزلت) من علياء تجريد المفكر إلى سفح تبسيط الداعية. و بان أن اختلافك مع الاستاذ كمال إنما هو اختلاف شكلي – هذا إن وجد أصلاً – و لا أظنه يوجد. و الأحرى أنه ليس اختلاف بقدر ما هو مصادرة لحق الاختلاف، فخلاصة ما وصلت إليه أنت في مقاليك هذين أنه لا يحق للاستاذ كمال الجزولي أن يجد الديمقراطية تشبه شئ في الإسلام، لكنك تصل إلى مثل هذا الأصل و التشابه حين تقول في نهاية مقالك الثاني “والذي أريده للأستاذ كمال الجزولي، ولغيره من المثقفين السودانيين، هو أن يعلموا أن مفهوم الديمقراطية مفهوم قرآني” و تشير إلي ذلك بارتياح ما دمت تثبت ديباجة الاستاذ محمود في نهاية الكلام، و لقد استخدمت هذه الديباجة – و للأسف –  كما العلامة التجارية المضمونة المبرئة للذمة غض النظر عن المضمون.
خلاصة ما أود قوله أن اختلافكما – أنت و الاستاذ الجزولي – إنما هو اختلاف شكليٌ محض، أو كما يقال في لغة الفقه اختلاف درجة و ليس نوع، بل و أنتما الأثنان لا تختلفان في هذا عن الغنوشي و الطيب زين العابدين و الترابي و البنا و كل من يسوق هذه البضاعة. حيث يضع كل منكم بضاعته في وعائه الذي يحب لكن الطعم واحد و قد جربناه لربع قرن من الزمان و خبرنا طعمه و أثره، فانتهوا يرحمكم الله و سموا الأشياء بأسمائها، فالديمقراطية هي الديمقراطية و هي اجتهاد بشري قابل للأخذ و الرد و الإسلام نهجٌ للتدين و العبادة أياً كانت نظرتك إليه. و الديمقراطية و طريقة تطبيقها شأن عام يهمنا أن نتناقش فيه و أن نطوره وصولاً للشكل الذي يناسب بلادنا، أما قناعاتك حول الدين و طريقة أخذك له أو ممارستك إياه فيظل شأن خاص يهم الفرد في نفسه.
بقي شئ أخير و هو أني أعلم حق قدرك و قدر الاستاذ الجزولي و عظم دوركما التنويري و النضالي بل و علو كعبكما في المجالين الفكري و النضالي، لكن تظل الأمور بمآلاتها. و لأننا نحبكما و نحب أمثالكما فأننا (نشير) عليكما بما نراه و ننتقد ما لا نراه صواباً لديكما و هو قليل و يصدر عن نية حسنة كما نعتقد عن حق.

kutubi2001@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً