“الحوار لا يبدأ بتصنيف الآخر”.
أقدر للأستاذ زين العابدين صالح عبد الرحمن اهتمامه بمقالي حول العقلانية التواصلية ودروس السودان، وأعتقد أن الحوار حول هذه القضايا مهم وضروري. لكنني أود التوقف عند بعض النقاط التي أرى أنها أساسية في نقده.
أولاً، لجأ المقال إلى استدعاء تاريخي السياسي مع اليسار وخروجي من الحزب الشيوعي ثم تجربة «حق»، وكأن هذا التاريخ يمكن أن يفسر أفكاري الحالية أو يحسم الموقف منها.
في تقديري، هذه طريقة في وضع الكاتب داخل «هوية» معينة، ثم التعامل مع أفكاره من خلال هذه الهوية بدلاً من مناقشة حججه. وهذا بالضبط أحد أنماط التفكير التي حذرت منها في مقالي: أن نحكم على الشخص أولاً، ثم نحكم على ما يقوله بناءً على الصورة التي صنعناها عنه.
لو كان نقد المقال يقوم على مناقشة حججي واحدة واحدة، وبيان أين أخطأت، لكان ذلك هو الحوار الذي أدعو إليه. أما استدعاء الماضي السياسي للكاتب فلا يمثل حجة على أفكاره.
أنا خرجت من الماركسية منذ عقود، لكنني لم أخرج من فكرة أن الأفكار يجب أن تخضع للنقد والمراجعة. ولذلك لا أرى سبباً يجعل تاريخي السياسي السابق معياراً للحكم على ما أطرحه اليوم.
الحوار يحتاج إلى شروط
النقطة الأساسية في مقالي لم تكن رفض الحوار مع الإسلام السياسي، ولم أقل إن المتدينين يجب أن يُقصوا من المجال العام. على العكس، من حق الجميع المشاركة السياسية، بما في ذلك الإسلاميون، بشرط قبول التعددية وحقوق المواطنين المتساوية وقواعد التداول السلمي للسلطة.
السؤال الذي طرحته هو: هل يمكن أن يكون الحوار والانتخابات كافيين إذا كان أحد الأطراف يحتفظ بالسلاح والأجهزة الأمنية والموارد التي تمكنه من رفض نتائج الديمقراطية؟
وهنا أعتقد أن قراءة هابرماس تحتاج إلى الانتباه إلى شروط الحوار نفسه.
الفعل التواصلي ليس مجرد جلوس طرفين إلى طاولة. إنه يفترض أطرافاً مستعدة لقبول الحجة والنتيجة، وقواعد متساوية تحكم الجميع. أما إذا كان أحد الأطراف يستطيع أن يقول للآخر: «إذا لم تعجبني نتيجة الحوار فسأستخدم القوة»، فإن الحوار يصبح محدوداً بطبيعة ميزان القوة ودونك تجربة انقلاب البرهان على الوثيقة الدستورية فى اكتوبر ثم الانقلاب على الاتفاق الإطارى والتهديد الذى كان يطلقه كبادر الكيزان على شاكلة “مافيش ارجل من الحركة الاسلامية” او “كتائب الظل وانتم تعرفونهم” كما صرح على عثمان محمد طه!. ثم اشعالهم الحرب الاهلية فى ١٥ ابريل ٢٠٢٣م.
لذلك قلت إن الديمقراطية تحتاج إلى تغيير ميزان القوى لمصلحة المجتمع المدني والقوى الديمقراطية.
وهذا لا يعني الاستعانة بقوى خارجية، ولا يعني إقصاء الإسلاميين من الحياة السياسية. المقصود هو بناء مؤسسات تجعل الجيش والأجهزة الأمنية خارج التنافس الحزبي، وتضمن استقلال القضاء، وحرية المجتمع المدني، وتداول السلطة سلمياً.
التجربة السودانية ليست افتراضاً نظرياً
الإسلام السياسي في السودان ليس طرفاً مجهولاً لم نختبره بعد. فقد وصل إلى السلطة بانقلاب على الديمقراطية الثالثة، ثم أقام نظاماً احتكر السلطة لعقود، مستخدماً أجهزة الدولة والأمن والمال والتنظيم السياسي.
ولهذا فإن القول إنني أصدر حكماً مسبقاً على الحوار لا يصح. أنا أنطلق من تجربة تاريخية فعلية.
المشكلة ليست في أن الإسلاميين يريدون المشاركة في الانتخابات، وإنما في السؤال: هل يقبلون بنتيجة الانتخابات إذا خسروا؟ وهل يقبلون بتداول السلطة إذا جاءت النتيجة ضدهم؟
هذه هي المسألة التي يجب أن يجيب عنها الحوار.
لا أرفض الحوار وإنما أريد شروطاً تجعله ممكناً
أتفق مع الأستاذ زين العابدين في أن الحوار ضروري، وأن المجتمع السوداني يحتاج إلى ثقافة سياسية تتعلم الاستماع إلى الآخر ومناقشة أفكاره بدلاً من تخوينه أو البحث عن انتمائه السياسي.
لكن هنا تحديداً أرى أن استدعاء تاريخي السياسي في نقد المقال يتناقض مع هذه الروح.
فإذا كنا نريد فعلاً تطبيق العقلانية التواصلية، فعلينا أن نناقش الحجة لا هوية صاحبها.
لا ينبغي أن يكون السؤال: من أين جاء طلعت محمد الطيب سياسياً؟
بل: هل حجته صحيحة أم خاطئة؟ وهل الأدلة التي قدمها كافية أم لا؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للحوار العقلاني.
لذلك فإن خلافي مع الأستاذ زين العابدين ليس حول ضرورة الحوار؛ فأنا أدافع عنه. الخلاف هو حول شروط إمكانه.
لا يمكن أن نبني ديمقراطية بمجرد الدعوة إلى الحوار بينما يحتفظ أحد أطراف العملية السياسية بالقوة التي تمكنه من إلغاء نتائج الحوار والانتخابات.
الحوار الحقيقي يبدأ عندما تصبح نتيجة الحوار ملزمة للجميع، وعندما لا يستطيع طرف أن يستبدل الحجة بالقوة.
وهذا، في تقديري، ليس خروجاً على هابرماس، وإنما هو الشرط الذي يجعل «الفعل التواصلي» ممكناً في السياسة السودانية.
طلعت محمد الطيب
