تـصاعــد دخــان الـمــقاومــة ، وهــبوط الأسمــاء في ظل بقاء انقلاب مصاب بالربو!. بقلم: مـحمد أحـمد الجاك

بهدوووء-

(1)
) .. أزمــة الــزعامات الــدُمى (
تتصاعد ألسنة الدخان في سماء البلاد وتهبط أهمية الأسماء .. ذلك ليس صدفه وليس وليد لحظة ، إنها الثورة ، إنها جدلية تاريخ تحولت من تمجيد زعيم قبيلة لتمجيد زعيم طائفه ثم تمجيد زعيم حزب أو زعيم حرب أو زعيم دولة ثم إلى لاشئ ، لاشئ له أهمية للمجتمع إلا المجتمع وحوجاته وعلاقاته ، في هذه اللحظة من التاريخ تنتهي أهمية الأسماء بصعود دخان المقاومة … ينتهي مجد الزعامات وتبدأ أزمة الزعامات الدمى.
تمدد الحالة النفسية لطلائع الثوار الذين أصبحوا سادة أنفسهم ووصلوا نقطة اللاعودة في ذلك هي الضامن الوحيد للإنتقال نحو مجتمع ديمقراطي تجبر فيه الدولة على احترام المجتمع ، وتجبر فيه الدولة على احترام حقوق المواطنين ، لأن مصدر القوانين هو جموع المواطنين أنفسهم وليس النخبة ، هنا لا أهمية كبرى للأسماء وإنما المهم هو القانون.
تتصاعد يومياً أشواق الجماهير الطامحه لسلطة تتوزع على الشعوب السودانيه وذلك بتفتيت سلطة الزعيم الأوحد المركزة في شارعين من شوارع البلاد بأكملها ، الزعيم الأوحد الذي يعطي بدوره يتشارك السلطة لمن يشاركونه نزواته من زعامات القبيلة أوالطائفة تستمد منه قوتها ويستمد منها جدلية بقاءه ويستمد منها قوته وأسباب بقائه.
كان الزعماء يستمدون قوتهم من عامة الناس قبل الدولة، يصعدون على أكتافهم ويبقون تحت حمايتهم ، هذا ماكان يحدث طوال التاريخ ، وعندما يزيد الوعي عند العامة يطيحون بزعمائهم ليصعد زعيم آخر يخاطب وعيهم الجديد.
الزعماء التاريخيين القبليين والدينيين في السودان لهم قواعد إجتماعية صعدوا على أكتافها وساهمت في بقائهم وحمايتهم وساهموا هم في إبقاء الوعي كما هو لتبقى زعامتهم كما هي ثم بعد الدولة تحالفوا مع مع السلطة أو صعدوا لها من يواليهم ، هنا كان عصر جديد هو تحالف سلطة المجتمعات مع سلطة الدولة يستمد كل منهما أسباب بقائه من الآخر.
تحالفهم مع السلطة هو نفسه تحالف النبلاء مع السلطة في الدول القديمة ، تلك العلاقة التي أنتهت إلى مأساة ببروز الثورات الشعبية وصعود سلطة الجماهير ، فأصبح الزعماء أناساً عادييين في المجتمع وأصبحت المؤسسات السياسيه الحزبية الحديثه هي الإطار الإجتماعي الجديد ، تكسرت الأنظمه التقليديه بصعود الطبقات المدينيه التي انفصلت عن جذورها الاجتماعيه فتخلقت القوميه كهويه جديده جامعه بديلاً للهويات الضيقه.
الآن في بلادنا بصعود طبقه المدن والأرياف ، وبروزها كفاعل سياسي أنجز ثوره وجد تحالف السلطة مع الزعماء التاريخيين نفسه في حرج وعجز بالغ ، اذ أن التحالف بين سلطة وزعماء بلا جماهير فاعلة سياسياً لا يحدث إستقراراً ولا يشكل دعماً فنتجت أزمة جديدة لم تكن محل تساؤل في المجتمعات التقليدية وهي السؤال الذي طرحه المجتمع المديني .. من أين أستمد هؤلاء الزعماء زعامتهم ؟ تلك أزمة زعامات عاجزين عن الفعل السياسي في دولة تركيبتها حديثة ! تلك هي أزمة الزعامات الدُمى .. ملاحقة هؤلاء الزعماء في أماكن نفوذهم بسؤال الشرعية وأختراق المجتمعات التقليدية بأفكار وأحلام وطموحات المجتمع المديني ، أيصال صور المواكب والهتافات وتضحيات الشهداء سيوسع نفوذ الثورة ويزيد من أزمة الزعامات الدُمى العاجزون عن دعم الإستقرار السياسي وسيوسع نطاق التغيير.
فشلت الأحزاب في وضع القواعد التي تدار بها الفتره الإنتقاليه وفشلت في التسامي فوق الأطماع الشخصيه ، فشلت فشلاً مريعاً … لكن حتماً البديل لن يكون (الكيزان) فهؤلاء لم يعد لهم وجود إلا في الذاكره الملأى بصور القتل والتعذيب والنهب .. ولن يكون العسكر الذين يعرف الجميع كيف أوردوا السودان المهالك في سنين حكمهم التي أمتدت أكثر من سته عقود ، البديل هو أن يتولى الشعب زمام أمره وينتخب نقاباته ولجان أحيائه ويصبح هو السلطة التي تعصي من يعصيها وتطيع من يطيعها .. وهذا ممكن رغم الجوع والفقر والحاجه ، ممكن رغم أن المعاناة قد بلغت أوجها ، فالمستقبل لنا ونحن الذين نقدم ونؤخر دعاة النزاهة والتغيير. تقدم أيها الشعب بالانتظام والتنظيم وليس بأي شئ آخر فالفوضى لن تجلب لك سوى المزيد من اللصوص والحماة القتلة .
(2)
السـودان يتشكل مــن جــديد ..
لكن بدون خطة استراتيجية كلية متفق عليها.. وهذا مكمن خطر التفتت المحتمل!هل هناك طبقة واحدة مكونة من حوالي الف أسرة من النخب المتوارثة مسيطرة على المشهد السوداني الكلي خلال ال 200 سنة الماضية؟! لقد قيل ذلك من قبل وعلينا أن نبحث في كل شىء ممكن. إفتراض، قال به بعض الناس المهتمين منذ سنوات عديدة ضمن فوضى الافتراضات الكثيرة في عالم الحيرة. وشخصياً أهتممت بذلك الافتراض وبل كنت أظنه لوهلة حقيقة ومنه ربما تبدأ رؤية حل عقدة الازمة.. وبحثت أخيرا الإفتراض ضمن تيمة (سكان السودان عبر القرون).. وهذا المساء كنتيجة للبحث وصلت من جانبي إلى نتيجة أولية تقول: لا.. تلك ليست القضية ولا الأمر.!
هناك في السودان نخب عشائرية (مكسبها الزراعة والرعي التقليديين) غير محدودة ومتحركة في سلم النفوذ فوق وتحت ومن بعدها نخب صوفية وعدد من روحانيات السودان الأخرى.. وتجار (تجارة تقليدية وضمنهم ما يسمى بالجلابة) وأنواع التجارة الأخرى الحديثة .. ونخب في مجال الصناعة بدورها متحركة ومتحولة .. ونخب عسكرية متحركة من زمان إلى زمان بين يمين ويسار الإيديولوجيات وقبله وحدة وادي النيل والسودان للسودانيين.. ونخب أفندوية مقسمة في مجالات مختلفة حسب التخصصات: التعليم والإعلام والدبلوماسية مثلاً.. ونخب نقابية. وعدد كبير من النخب القديمة فقدت إرثها وحلت محلها جديدة ولا ثبات إلا في حالات قليلة لم أجد لها أثر (نفوذ) ظاهر في فضاء المجتمع ككل.
المجتمعات السودانية (الشعوب) متحركة ولم ترسو بعد على نمط يشبه أرستقراطية الغرب الأوروبي تلك التي تأسست عليها الطبقات الرأسمالية التي انبنت عليها الحداثة وعولمة اليوم.. وليس بالضرورة أن تطور المجتمع السوداني سيتطابق مع ما حدث في أوروبا أو حتى الأقليم الذي حولنا فلكل مجتمع خصوصياته الأنثربولوجية ولحظته التاريخية المختلفة.
كل الذي يحدث الآن أن: هناك أحزاب سياسية وكيانات عسكرية وحركات مسلحة وكيانات شعوبية وصناع وتجار جدد وتجمعات نقابية وشبابية يسعون كل بطريقته إلى حيازة أكبر حصة ممكنة من الثروة والسلطة في دورة جديدة من التشكل غير المخطط له إستراتيجيا أي غير واعي بذاته بالقدر الوافي ودا سبب الأزمة التي لا أحد يعلم مداها في حسباني وربما يكمن في ذلك خطر تفتت الوحدة السياسية والجغرافية للبلاد ان لم ننتبه كلنا إلى أهمية الالتفات إلى خطة وطنية استراتيجية موحدة .. والا الكل خاسر في الختام ولو بدرجات مختلفة!. هذا باختصار ومجرد نافذة جديدة صغيرة لتامل الأزمة من جديد على أمل الخروج الى بر آمن.
نبضات أخيرة:-
– عندما يتم إعتقال قيادات سياسية ! سؤال لماذا تم إعتقال فلان ؟ ولماذا لم يتم إعتقال فلان ؟ هي أسئلة معتوهه تتولد عن نفوسٍ شديدة الغرابه ترى أن الظلام يجب أن يغطي الجميع .. الإعتقال ليس محل صراع سياسي وجميعنا تذبحنا سكينُ واحدة ومن لم تذبحه اليوم فهي تتهيأ لذبحه غداً .. نحن في قوائم الإنقلاب مرتبون حسب أولوياتهم هم وليس حسب أولوياتنا نحن.
– الرجل الكفاءه ، فريد زمانه ، أذكى أذكياء الهامش ، تلمع صلعته على شاشة التلفاز كأن تحت الصلعة شيئاً ، ويعتصر الكلام محركاً يديه ومضيقاً قطر عينيه في حركات مسرحية ، معجباً بنفسه أيما إعجاب كأنه وهو يتحدث سيأتي بما لم يأت به الأولين والآخرين .. ذلك الرجلُ المأساة فكرته العبقرية تقول ( إذا كان يؤلمك أن آخذ مالاً من جيبك الأيمن فإنني سآخذه من جيبك الأيسر ) ثم ضحك ضحكته الباهته مندهشاً لما جاد به عقله العظيم!!. أيها الترابي اللعين النائم في قبره ،ماذا فعلنا لك حتى تفرّخ لنا مثل هؤلاء المجانين ؟

– آلاف المقالات تكتب كل يوم ، آلاف الحكايات تسرد ، مئات المفكرين والمفكرات نكتشفهم كل يوم ، وشباب وشابات يعرفون خبايا السياسة وهم لم يبلغوا العشرين .. هذه هي منارات الغد ، وذلك هو وجه سودان ديسمبر الجديد .. من لم يره فإنّ في عينيه عمى، ديسمبر ليست حدثاً عابراً ، إنها بذور زرعتها مشيئة التاريخ ، زهور فواحة نبتت ووعد كلما هبت رياح الخراب زاد ألقاً وعبقاً وأنتشر رحيقه لينبت ألف زهرة أخرى. الذاكرة الجمعيه والمخيال الشعبي لمئة عام قادمه سيكون مخيال الثورة بكل بهائها وألقها وحركيتها الخلاقة .
– هنالك وجه لفصول قاتمة من تاريخ السودان يبرز بين فينة وأخرى في صورة عسكري أو زعيم قبيلة أو زعيم عصابة مسلحة ، ذلك وجه تجاوزته المشيئه لكنه لن يختفي بين ليلة وضحاها ، وتلك فصول قد أسدل الربيع عليها الستار لكنها ستقاوم قليلاً .. فلم يحدث أن أطفأت أضواءَ الفكرِ والأملِ ظلاماتُ الجهل واليأس .. لم يحدث أن حجب الشمس الليل مهما كانت قتامته … ولم يحدث أن سار التاريخ للوراء ، ديسمبر منتصرة وبالغة كمال قمرها ، ولنا في هذه البلاد العظيمة يومُ عيد.
– الانقلاب مصاب بالربو إنه يتنفس بصعوبة كما قائده المدخن المزمن.. سرعته محدودة وهو يلهث وراء وقائع صغيرة تؤذيه أكثر مما تساهم في استقراره، على غرار اعادة الاسلاميين الى الواجهة من جديد. لكن للربو علاجات كثيرة تديم أنفاس المصاب ولا تجدد رئتيه. نراه يسعى جاهدا للسيطرة على الجيش بافراغه من صغار الضباط الذين يميلون للثورة ويؤمنون بها وبالتغيير لصالج جهة اخرى ، وهذا دمار ما بعده دمار، لكن في الجيش شرفاء كثر يمكن استمالتهم كما في الأمن وفي مؤسسات اخرى. الربو يصيب البلاد برمتها، وأول المصابين مؤيدوه وداعموه الذين اعتقدوا أنهم بمنجاة، يحتاج العقلاء الآن إلى تخفيض سقف التوقعات المتفائلة بقرب زواله. سندخل مرحلة لا غالب ولا مغلوب؛ إلا السودان الذي يتقهقر على سلم الديمقراطية وعلى سلم النماء الاقتصادي وعلى سلم البقاء كدولة.

mido34067@gmail.com
///////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً