نبدأ في الأول بطرح سؤال مهم، وهو، لما تقف بعض الدول كالشبح المتجهم أمام السودان ومستقبله، كدولة قائمة بذاتها، لها حدودها الجغرافية، وكينونتها وسيادتها؟ والإجابة البديهية هي أن هذه الدول، التي يطغي عليها وجود الأنظمة الشمولية في الحكم، والتي لا
تتمتع بأنظمة ديمقراطية، هاجسها الأكبر هو نجاح السودان في مشروعه المستقبلي. لذا الوقوف حيال هذا الهدف السامي الذي يصبوا إليه السودان شعب ودولة، الوصول إلى حكم ديمقراطي. هاجسها الأكبر، اختيار الشعب السوداني لمن يحكمه، اختيارا ديمقراطيا وبإرادته وصوته.
هذه الدول التي تسود فيه الأنظمة الشمولية، ولا تحترم حقوق الإنسان في المقام الأول، كيف لها أن تفرح لنجاح السودان؟ دول منها من يحكم حكم يبني على نظام الإرث، ومنها من قفز على الحكم كحاكم بالأمس، على نظام ديمقراطي كان في طور تكوينه الأول. دول للأسف حالها الآن، كحال السودان قبل أكثر من ثلاثة عقود. فهي تتخوف كل التخوف من إعصار السودان المدمر، والذي يمكن له أن يلهم شعوبها وشعوب دول أخرى، لكي تخرج إلى الشوارع، للمناداة بالحرية والعدالة والمساواة، وتطالب بأنظمة ديمقراطية مثيلة له.
هذا هو وباختصار الهاجس المؤرق لنوم هذه الدول، والذي يدخل الخوف والرعب في قلوبها، وهي ما زالت تبطش بشعوبها أسوأ بطش، وبأيدي من حديد. وتتساءل: كيف لبلد مثل السودان “الحديقة الخلفية للموارد الطبيعية، والقوة البشرية لها” أن يصير ديمقراطيا ويتركها هكذا؟ – وتقول لنفسها: سوف لن نترك للسودان المجال ما دمنا في الحكم، لكي يحقق النجاح الذي لم نتمكن نحن كدول أكثر كفاءة من تحقيقه. ولكن يقول لكم السودانيين دولة وشعب: أتركوا لأنفسكم مجالا، وما طاب لكم. السودان قادم بشبابه، ولا محالة.
ونقول لهذه الدول: سوف تشرق شمس السودان التي لا تغيب في غد، سوف تمطر سماءه ماءا عذبا، يملأ الأنهر، سوف ينبت الزرع في وديانه وتلاله وتخضر المروج، سوف ترعى في عشبه الأخضر أغنامه وأبقاره وجماله، سوف تحمل سنابله بالذرة والدخن والقمح، سوف تجود مزارعه بالفاكهة والخضروات والثمار، سوف تحمل نخلاته بالتمر حتى تميل. وما لنا أن نحزن على الخذلان من دول كنا أولا نظن فيها الخير، وثانيا ننتظر منها القليل – وهو ألا تتدخل في شؤوننا الداخلية، أن تحترم العهود بين الشعوب، وألا تعامل دولتنا وكأنها طفل وليد.
لقد حان الوقت لكي ننظر في علاقاتنا مع الدول المغشوشين فيها، وفي علاقتها معنا – المبنية على النفاق. دولة تأتي وتطلب منا، دون خجل، استبدال حكام لنا، اخترناهم بأنفسنا، بحكام آخرين. وهذا حتى ترضى عنا، وتخلوا لها الأجواء في تطبيق كل شيء يضر بالسودان. أي صداقة، وأي جيرة، وأي أخوة مثل هذه؟ على السودانيين مدنيين وعسكريين، الا يطلقوا عنان الدولة لطرف ثالث، همه أن يشتت الشمل، ويجعل من السودان بلد فاشل. ليزداد فيه الفقر والجوع والمرض، وتكون هذه الدول هي الحكيم المداوي لعلله وأزماته المفتعلة.
واجب علينا الجلوس معا للتفاوض وإعادة المدنية لموقعها. وواجب علينا التفاوض بمرونة للوصول للحلول. واجب أن يتم إطلاق سراح كل المعتقلين، بما فيهم رئيس الوزراء. واجب إرجاع سبل الاتصالات المقطوعة، وهذا حتى نبرهن للعالم بأن هناك نظام، وألا يتكبد السودان أضرار اقتصادية أكبر. واجب على السودانيين حكومة وشعب، السعي لوجود الحلول لمشاكلهم بأنفسهم. وهذا من دون وسيط، ومن دون أطراف أخرى، تستغل المواقف، وتصطاد في الماء العكر، لتحقيق مآرب ذاتية، ليس لها علاقة بمصلحة السودان ومصلحة شعبه.
E-Mail: hassan_humeida@yahoo.de
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم