جحر النفط .. بقلم: منصور الصويّم

 

ازدحمت مانشيتات صحف الخرطوم خلال الأيام الثلاثة الماضية بعناوين أخبار وصول السفن المحملة بالمواد البترولية إلى ميناء بورتسودان، ورغم التباين في أعداد السفن التي وصلت – ما بين ثلاثة إلى اثني عشرة – إلا أن القاسم المشترك بين كل هذه الصحف هو محاولتها الجادة بث حالة من الطمأنينة وسط المواطنين والتأكيد على أن الأزمة عابرة وإلى زوال، فها هي السفن قد وصلت الميناء وفي ظرف يوم أو اثنين ستتبدد صفوف البنزين والجازولين الطويلة، وستتوفر أنابيب الغاز بكل أنواعها في محلات التوزيع، ولن تكون ثمة أزمة مواصلات تستدعي الاستعانة بالتركتورات والدفارات – الشاحانات لنقل المواطنين والمواطنات الأحرار إلى أحيائهم المتفرقة في العاصمة القومية؛ وكل هذا الضيق والضنك سيتحول –عما قريب – إلى مجرد ذكرى وطرائف تحكى.. و”تكبر تنسى يا زول”.

“لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”، ربما تكون هذه الحكمة هي المانشيت الأنسب عند تناول أزمة الوقود خلال الأيام الماضية، فالأزمة “الحادة” تكررت في ظرف وجيز دون أن تضع حكومة البلاد أي احتياطات وقائية، ودون أن توضح بالضبط أين مكمن الأزمة، فلا وزير النفط ولا وزير المالية استطاعا أن يخرجا للناس بشرح مقنع، وبينما يدور الحديث عن قرب تشغيل مصفاة الخرطوم، هناك أحاديث أخرى متداولة تقول إن إجراءات الصيانة والسلامة بالمصفاة تتطلب وقتا أطول، الأمر الذي لا يشير إلى قرب تشغيلها لكونها ستكون عرضة للخطر.
لا يمكن فهم أزمة الوقود المتصلة إلا بقراءتها ضمن الأزمة الاقتصادية الكاسحة التي تضرب البلاد وتكاد تقعدها. فالسفن التي يتم الترويج لوصولها إلى ميناء بوتسودان لن تفرغ حمولتها من المواد البترولية إن لم تستلم الثمن كاملا، وهنا سيخرج الدولار لسانه من جديد في وجه حكومة “الهناء”، فإما أن توفر هذه الحكومة الدولارات المطلوبة “ملايين” أو أن هذه السفن أو التي ستأتي بعدها ستأبى تفريغ حمولتها، وبالتالي ستطل الأزمة من جديد بوجهها أو تظل تراوح مكانها؛ وتلك لعمري أم المعادلات التي ستجد الحكومة نفسها في مواجهتها، فمن المعلوم للجميع الآن أن خزينة البلاد فارغة ليس من العملات الأجنبية فقط، بل حتى من العملة المحلية المتدهورة، وفي هذه الحالة لا يبقى أمام الحكومة سوى حل واحد وهو إطلاق سراح العملات لتمرح من جديد في السوق الموازي، الأمر الذي سيجدد بدوره أزمة أخرى وهي الصعود المتوالي في أسعار الدولار في مقابل الهبوط المستمر في سعر الجنيه السوداني.. فما الحل؟
منذ إعلان وصول السفن المحملة بالمواد البترولية إلى ميناء بوتسودان وهناك ما يشبه الانحسار المتدرج لأزمة صفوف العربات المتراصة بمحطات الوقود في ولاية الخرطوم، وربما في ظرف يوم أو يومين ستنحسر هذه الصفوف تماما.. لكن حينها من حقنا أن نتساءل إلى متى؟ وهل سنلدغ من “الجحر النفطي” للمرة الثالثة في ظرف أقل من شهر؟.. ننتظر ونرى.

mnsooyem@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً