القيمة الحقيقية للحزب السياسي تكمن في طريقة عمل أدني هيئاته القاعدية لأنها الوحدة التي من خلالها يتم التعامل اليومي بين الحزب السياسي و جماهيره. تتمتع جميع الأحزاب السياسية السودانية ذات الخبرة التاريخية الطويلة ببناء قيادي متماسك تحكمه قواعد و قوانين مكتوبة و متفق عليها علي طريقة تجعلها نوع من العُرْف التنظيمي و هي إجمالا نوع من أنواع المركزية الديمقراطية . فمثلا في حزب الأمة السلطة العليا في الحزب هي المؤتمر العام و ينتخب المؤتمر العام هيئة مركزية او مجلس شوري و بدوره ينتخب رئاسة الحزب و هيئة الرئاسة و هنالك مكتب سياسي و مكتب للتنسيق بين هيئات الحزب و هنالك أمانة عامة تعني بشؤون التنظيم و هنالك هيئات إقليمية و قاعدية أبسطها لجنة الحي. و يختلف الحزب الإتحادي قليلا في وجود الروابط الفرعية في المديريات و القطاعات و الروابط الفئوية و بالقواعد الخلايا أو الزوايا التي تشرف علي التعامل اليومي مع الجماهير حتي و لو علي صعيد الفعاليات الصوفية.
تختلف أحزاب البعث العربي الإشتراكي بوجود قيادات قطرية ذات صلات تنظيمية و فكرية و ثقافية مرتبط بهيئات قطرية في دول عربية أخري. لكن علي المستوي الداخلي التكوين التنظيمي شبيه ببقية الأحزاب السودانية. هنالك فرعان جوهريان لأحزاب البعث واحدة سورية القيادة و أخري عراقية. لكن القيادات القطرية السودانية السودانية تمكنت من الإستقلال التام عن القيادات البعثية السورية و العراقية و ركزت جهودها علي الواقع السوداني.
أما حزب المؤتمر السوداني فبناءه التظيمي مأخوذ عن الأحزاب اللبرالية الأوربية و خاصة الحزبان الكبيران في الولايات المتحدة الأمريكية الحزب الجمهوري و الحزب الديمقراطي. حيث يكون هنالك نشاط تنظيمي عام في حالة الحوجة لإنتخاب رئيس للحزب و هيئات قيادية جديدة. بإختلاف بسيط و هو وجود فرعيات جغرافية و قطاعية أهمها مؤتمر الطلاب المستقلين في القطاع الطلابي الذي يتم تصعيد كوادره للمجلس المركزي بناء علي قدرات الكوادر و ربما صلاتها القيادية علي المستوي الإجتماعي. حدث أن تنازل ابراهيم الشيخ عن قيادة الحزب و تم انتخاب عمر الدقير و بعد أربعة سنوات تم تمديد فترة عمر الدقير نتيجة لعدم تقدم مرشحين لمنصب الرئيس. هذا الوضع لتثبت ديمقراطيته! علينا الإنتظار لنري ما سيحدث عند إنتهاء فترة رئاسة الباشمهندس عمر الدقير. و هذا لأن الحزب جديد مقارنة بالأحزاب السودانية الأخري و ليس له خبرة متراكمة في التعامل مع الجماهير العريضة علي إمتداد مساحة السودان. لكنها بلا شك ستحدث علي الأقل في المراكز الحضرية حال إستقرار الوضع السياسي.
حزب المؤتمر السوداني حزب جديد ما زال يتلمس دربه تنظيميا و فكريا و سياسيا. ضرب حزب المؤتمر إنقسام وذلك بانسحاب عدد من عضويته و إنضمامهم لتأسيس التابعة لقوات الدعم السريع. لم يخضع هذا الإنقسام لدراسة أو تحليل اللهم إلا التقارير الإخبارية التي ذكرت الخبر.
مما سبق نستنتج أن الأحزاب السودانية ( الأمة، الإتحادي، البعث و حزب المؤتمر السوداني) من ناحية الهيكل التنظيمي فهي أحزاب مركبة علي حسب مباديء المركزية الديمقراطية خاصة علي صعيد القيادي مع درجة من درجات الغياب لعملية صعود الرأي أو الموقف من القواعد الحزبية صوب القيادة. إعتماد الأحزاب الموصوفة علي عملية التصعيد التنظيمي غير مفهوم الأسس و الذي يمكن أن تلعب فيه علاقات الإستزلام، الولاءات، القربي و الصداقات دورا مهما. شكلانية الديمقراطية الداخلية و خضوعها لقوانين النفوذ التنظيمي أو المالي أو علو الصوت في العمل الحزبي الداخلي و عوامل أخري ربما حتي الإملاءات الخارجية من دول أو منظمات سودانية ممولة من الخارج أو خارجية بالكامل.
المركزية الديمقراطية في نقاط
حرية الرأي مع الوحدة السياسية و هذا يعني إلتزام الجميع برأي الأغلبية و الوحدة السياسية تعني موقف سياسي واحد من القضية المحددة.
الإنتخاب للهيئات العليا يتم عبر ترشيخ عناصر من الهيئات الدنيا عبر الإختيار الحر.
خضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا في حال الخلاف.
ينتقد الكثير من الناس مباديء المركزية الديمقراطية دون إدراك أن إدلرة أي منظمة ديمقراطية تتم عبرها و هذا صحيح في قطاعرات الإعمال أو المنظمات السياسية كالأحزاب.
تأثرت جميع الأحزاب السياسية السودانية بمشكلة انتشار الأمية، الولاءات القبلية، الدينية و الإنتماءات الجهوية . يعود انتشار الأمية لعدم كفاية التنمية و عدم توازنها جغرافيا و نتيجة للحروب الداخلية بين حكومات المركز العسكرية و قوي مسلحة من من الأقاليم البعيدة نوعا ما من المركز، أساس هذه الحروب كما ذهب كثيرون و انا منهم أنها حروب حول الموارد الطبيعية و ملكية الأرض و لا علاقة لها بالدعاية السيادسية التي يتشدق بها المسلحون أو المركز الإستبدادي الحاكم و المسيطر علي الجيش النظامي.
تأثرت جميع الأحزاب بالنشاط الطفيلي الهدام الذي أصبح سمة للإقتصاد الرأسمالي في السودان و الدعاية السياسية المرافقة له من هوس ديني إسلامي بدائي. النشاط الطفيلي بما يشتمل علي هدم و تحطيم قوي الإنتاج عمل مدمر و الفكر الذي يبرره من هوس ديني إسلامي إرهاب فكري. نتج عن هذا الإرهاب الديني و العسف السياسي و التنكيل بالخصوم أن إنتشر بين جموع السودانيات و السودانيين عداء تجاه الأحزاب السياسية بدعوي أنها علمانية و أنها سبب خراب البلد و هذا لعمري كذب سياسي من طراز فريد. ببساطة لأن الخراب في السودان ناتج من تطور الإقتصادي في الإتجاه الرأسمالي التابع و المتحول إلي نشاط طفيلي هادم و مدمر لقوي الإنتاج و صار في النهاية نمط كليتوقراطي مفترس حيث صار المدخل للثراء هو نهب الموارد بضمان النفوذ السياسي المستبد و المتخلف.
تعريف مهم لقوي الإنتاج
موضوعات العمل هي المواد الخام. أدوات العمل هي الآلات و المعدات و البني الهندسية كالقنوات و التقنيات التي يغيّر بها الإنسان موضوعات العمل لسلع. و وسائل الإنتاج هي مجموع موضوعات العمل و أدواته. القوي المنتجة هي مجموع وسائل الإنتاج مع طاقات و قدرات الإنسان العامل و خبرته و معرفته. بهذه التعريفات نستطيع فهم الرأسمالية الطفيلية و أثرها علي حياتنا في السودان.
طه جعفر الخليفة
هاملتون اونتاريو كندا
13 سبتمبر 2026م
