جعفر كرار.. والرحيل في صمت .. بقلم: إمام محمد إمام

بحصافة

استوقفني إعلان في احدى الصحف للاتحاد العام للأطباء البيطريين السودانيين ينعى فيه الدكتور جعفر كرار فضل ويسرد جانباً من سيرته الذاتية المليئة بالإنجازات العلمية والعملية. عرفت الدكتور جعفر كرار في لندن من خلال ترددنا إلى مركز التاج علام بأحد أهم شوارع العاصمة البريطانية الذي يتردَّد عليه الغربان من كل جنس وقطر.. وكنت أحرص على سماع إفادات الراحل كرار عن ثورة أكتوبر 1964، باعتباره  مقرراً للجبهة الوطنية للهيئات، حيث كان يحدثنا عن أسباب ضياع الثورة بتكالب الأحزاب والقوى السياسية السودانية على مفاهيمها توزيراً وإدارة، وأن من مثالب الثورة، على الرغم من كثرة مناقبها، أنها أدخلت في القاموس السياسي السوداني ما يسمى بالتطهير، إذ رفعت شعار “التطهير واجب وطني”؛ ومن ثم اتبعها في نهج هذا الأسلوب الاقصائي الحكومات، عسكرية ومدنية؛ فخسر السودان خيرة أبنائه الأكفاء في هذه العملية الثورة التي تشاركت فيها قوى اليسار في مايو والقوى الإسلامية في الإنقاذ، ومن تداعياتها التصدُّع الذي لحق بالخدمة المدنية، وغيرها من المنظمات والمؤسسات والهيئات، عامة وخاصة.
ومما يجعلك تنتبه إلى حديث الراحل الدكتور جعفر كرار في مجلس المؤانسة بمركز التاج علام في لندن أنه هادئ الحديث، قوي الحجة، رقيق العبارة، يستمع إليك كأنك المعلم وهو التلميذ، ويرد عليك كأنك الشيخ وهو الحواري، بل في بعض الأحيان عندما يلاججه بعض حضور المركز في مجال تخصصه، يصمت منهياً الملاججة، فتحسب أن لا حجة له ليرد على مناقشته، ولكن عندما تسأله يبين لك أنه يناقش من أجل الفائدة لا السفسطة. وكنت كثيراً ما أحادثه وأجالسه للاستفادة من معلوماته الثرة في مجالات السياسية المختلفة وفي مجال تخصصه  الأكاديمي والعمل في البيطرة.
كان الدكتور الراحل أول طبيب بيطري يتولى منصب وكيل وزارة الثروة الحيوانية ومسؤول مكافحة التصحر في برنامج الأمم المتحدة عام 1958، وممثل الأطباء البيطريين لسكرتارية الجبهة الوطنية للهيئات عام 1964، وله العديد من الإنجازات العلمية فهو أول من حصل على درجة الدكتوراه في علوم الكائنات الدقيقة، وأول من أنشأ قسم الفيروسات بالأبحاث البيطرية؛ وأول من قام بتشخيص مرض “الخدر” في الضأن السوداني، وأول من حضر لقاح “الكمرون” لمرض النيوكاسل في الدواجن. من هنا يتضح أنه كان رائدًا من رواد العلوم البيطرية في السودان، وعالماً من علمائه في هذا المجال.
كان الدكتور جعفر كرار كثير الحياء، عفيف اللسان، ينزل في نفسه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما كان الحياء في شيء إلا ذانه وما نزع الحياء في شيء إلا شأنه”.
لقد تألمت كثيراً عندما لم أقرأ من تلاميذه وهم كثر، مرثيات عنه، خاصة أنه خدم بلاده مما أتاه الله من علم وفكر. فلذلك رأيت لزاماً عليّ وأنا أعلم بعضاً من قدره وكثيراً من علمه، من خلال ما قرأت في مذكراته التي ضمتها تجاربه في الحياة، وسرد من خلالها بعض فصول كفاحه في هذه الحياة الدنيا. والمأمول ان تكون هذه العجالة محرضة للكثيرين الذين يعرفون قدره ويعلمون فضله لنشره بين الناس، تعميماً للفائدة، وتذكيراً بعظائم أعماله وأفضال علمه، وذلك من خلال مقاربة لا مقارنة لقول الله تعالى ” يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال”.
وفي ختام هذه العجالة أسأل الله تعالى ان يتغمده بواسع رحمته ويُسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا؛ وأن يلهم آله وأصدقاءه وتلاميذه ومعارفه الصبر الجميل.
“وما كان لنفس ان تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين”.

imam imam [i.imam@hotmail.co.uk]

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً