السنة المالية للعام الجديد 2021 بدأت شهر يوليو الماضي ومع ذلك لم تقم البرلمان القومي بالمصادقة على الموازنة العامة، خصوصاً وان رئيس الجمهورية سلفا كير أشار فى هذا الصدد بأن البرلمان سيجيز الموازنة حالما يتم تسمية رئيسها، وبالتالي تكتمل أركان السُلطات الثلاثة في البلاد فللبرلمان دور كبير في النظام الرئاسي الذي تسير جنوب السودان على خطاها، وبما أن البرلمان مُلزمة بمرحلة القراءات الثلاثة للموازنة بغرض الإضافة وتعديل ما يراها مناسب، إلى جانب أن الإتفاقية المُنشطة بها جداول محددة لتنفيذ الإتفاقية ما يستدعي أن يقوم البرلمان بدورها على أكمل وجه دون تأخير، ولكن لا ندرى لماذا تأخر البرلمان في مناقشة أمر الموازنة فى وقت يُرجى فيها دورها فيما أشارت لها الإتفاقية بضرورة الإلتزام بتفيذ كافة بنودها دون تأخير أو بطء حتي، لكيما يحس ويعرف شعب جنوب السودان أن الإتفاقية تسير وفق ما هو مخطط، وخروج البلاد من الفترات الإنتقالية التي دخلت فيها لما يقرب من ستة أعوام، فلم ينعم شعب جنوب السودان بالرفاهية منذ قيام دولته بموجب إتفاقية السلام الشامل بعد إنفصاله عن السودان عام 2011م سوى عامان فقط، ودخلت البلاد في حروب أهلية كادت أن تقضي على الأخضر واليابس لو لا الضغوط الذى مارستها أصدقاء شعب جنوب السودان والمجتمع الدولي، تجاه الأطراف المتحاربة ووضع حد لمعاناة الشعب ووقعت على إتفاقيات سلام هشة، لغياب الفاعلين الدوليين عن المشهد السياسي في البلاد عبر تشديد العقوبات على معرقلي إتفاقيات السلام فى البلاد، عكس ما حدث في إتفاقية السلام الشامل الموقعة عام 2005 ساعتئذ وضعت الولايات المتحدة الأمريكية وركزت أولوياتها نحو تحقيق السلام في السودان عبر السُبل الممكنة، فضلاً عن أن الأمم المتحدة شددت الخناق على أطراف الصراع في السودان جنب إلى جنب مع الولايات وشركائهم الإقليميين في الإتحاد الإفريقي والإيقاد، الأمر الذي أدى بالكونغرس الأمريكى لإستصدار مسودة قرار تحولت فيما بعد إلى ما يُعرف بقانون سلام السودان وصادق عليه الرئيس بوش وقتها.
خلال الأعوام الثمانية الماضية أي منذ إندلاع حرب سبتمبر عام 2013 وما تلاها من حروب لم تكن في البلاد ميزانية وضعتها الدولة ببنودها الثلاثة، غير ميزانية الطؤارى وتنُفق حوالى 75٪ من حجم الموازنة لقطاعي الأمن والدفاع في الوقت الذي لم تتجاوز فيها نصيب الصحة والتعليم أكثر من 5٪ من الموازنة العامة، فكان الإنفاق على التسليح وحماية الدولة من السقوط لذلك لم تسعي البرلمان خلال الأعوام المذكورة، وتقوم بواجباتها حسب ما كفلتها دستور جنوب السودان فى هذا الشأن مما إنعكس سلباً على حياة ومعاش المواطنين. ولكن في ظل السلام وإتفاق الأطراف علي أجندات واضحة ومحددة المعالم، ينبغي تنفيذها بحذافيرها دون تسويف أو مماطلة، هي القشة التي قصمت ظهر البعير، ويجعل المراقبين يعيدون التفكير ملياً في نصوص إتفاقية السلام المُنشطة ويحدث هذا فى ظل أن البرلمان شُكل من جميع الأطراف وليست الحكومة الإنتقالية والحركة الشعبية في المعارضة بقيادة دكتور ريك مشار وحدهما ، وإنما هناك كُتل وأحزاب سياسية يُشار إليهم بالبنان لها حصتها ونصيبها من السُلطة في الإتفاقية.
خلال أعوام الحرب الثمانية الماضية بإستثناء فترات قصيرة سادت فيها هدؤ نسبى بسبب إتفاقيات سلام هشة كما سبق وأشرتُ ، تدهور الوضع المعيشي للمواطنين في البلاد بسبب الإنفاق على القطاعات الأمنية ( إقتصاد الحروب)، مما سبب عجز في ميزان المدفوعات، لجهة أن إقتصاد البلاد ريعي ويعتمد في موازنتها العامة علي البترول ( مورد ناضب)، بنسبة تصل إلى 90٪. ويتطلب من قادة جمهورية جنوب السودان البلد الذي مزقها الحرب التجرد ونُكران الذات لعلاج علل إقتصاد البلاد. فاى بلد خارج من أتون الحروب فأول ما يفعلها قادتها هو الإتساق مع الذات ومعالجة إخطائهم الذى إرتكبوها في حق شعبهم. معظم قادة جنوب السودان اليوم موالاة ومعارضة أفنت زهرة شبابهم في الأدغال بحثاً عن الحرية وإسترداد الكرامة المطلوبة لشعب جنوب السودان، فلو إستدعى هذه القيادات وإستلهموا ماضيهم العريق فالمؤكد سيعبرون المتاريس وتظليل العقبات والرؤية التي تحجبهم عن رؤية الأوضاع الإقتصادية المزرية التى تمر بها البلاد كما هي دون البحث عن منظار للرؤية عبرها.
ألمانيا والنمسا نموذجين لدول فعلت قياداتها المستحيل لإعادة الأوضاع الإقتصادية إلى نصابها في بلديهما بعد الحرب العالمية الثانية، فالمانيا اليوم من أكبر الإقتصاديات في أوروبا وتدعم الإتحاد الأوروبي بميزانيات ضخمة، ويكفي أنها ساهمت مساهمة فعالة في إنتشال اليونان من أزمتها الإقتصادية وبفضله تعافى الإقتصاد اليوناني، وتساهم الآن حنب إلى جنب مع فرنسا لإنقاذ لبنان من أزمتها الإقتصادية الطاحنة.
josephgabriel067@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم