جيفري غليتمان الصحفي الدراماتيكي و بضاعتة الفاسدة!! .. بقلم: د. ابوبكر يوسف إبراهيم


بسم الله الرحمن الرحيم

هذا بلاغ للناس

v    لم تعِ دول الغرب وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا الدرس وتقبل الحقائق الجديدة وإدراكها أن بعض دول العالم الثالث الذي كان مغمض العينين في حقبهم الاستعمارية لم يعد  تلك القطة الوليدة بل شب وترعرع  وفتح عينيه وكشف اللعبة الاستعمارية وسياسة فرق لتسد . لقد  دأب صحفيو هاتين الدولتين على وجه التحديد الإستفادة من عامل انتشار اللغة الإنجليزية كموروث ثقافي استعماري ؛ ولذلك لم يتوقف دأب الغرب في البث والنشر باللغة الانجليزية فقط  بل لجأ إلى البث  بكل اللغات الحية والميتة  ودأب بعض من صحفييه  على تدبيج  تقاريراً صحفية عن حال وأحوال بلدٍ معين مستهدف من قبل قدامى المستعمرين أو حديثهم ممن هيمنت عليه أمريكا بأساليب استعمارية مستحدثة ومنها زرع البؤرة  الاثنية أوالدينية أو بحجة الاضطهاد أوالتهميش . وغرس تلك البؤر لتصبح مثل  (الحِبِنْ / الدُمّلْ) ؛ وتصوير حال أهله ومعاناتهم في شكل تقارير صحفية فيها من الدراما والتراجيديا ما تزرف له دموع القلوب الصلدة ؛ وذلك لاستدرار واستجداء التعاطف وتكوين أو بناء موقف مضاد ورأي عام شاجب لقضية لها ؛ حتى وإن كانت الحقيقة عكس ذلك أو مغايرة للواقع . عند بناء رأي عام يستغل الغرب جهل الشارع الغربي بحقائق الأمور والظروف الاقتصادية لشعوب أفريقيا مثلاً ويحكي قصة مهانة وتهميش الانسان الأفريقي الكادح وتصويره على أنه المسكين المضطهد من قبل حكومته ويوظف لذلك ضعاف النفوس من أبناء البلد المستهدف.  فالغرب لا يعلن الحقائق مجردة ولا يشرح فوارق العيش الرغد المرفّه الذي يعيشه ؛ كونها دول عالم متقدم وبين  شظف  العيش وقلة الموارد وحجم الاقتصاد ودخل الفرد ؛ أي أنه يغفل أسباب كل ذلك رغم أن الأمانة تقتضي وتستوجب ذكر ذلك ؛ أو الاعتراف بعدم منطق المقارنة التفضيلية ؛ خاصةً المقارنة مع دول أفريقيا ؛ أفريقيا تلك القارة المنهوبة التي بسرقة مقدراتها بنى الغرب حضارته وتمدنه واستنكف الاعتذار عن جرائمه في حق تلك الشعوب . لذا فإن إخفاء الحقائق والمعلومات الصحيحة عن مواطن الدول المتقدمة يصبح نوعٌ من الكذب والتدليس والافتئات السياسي ؛ أما عن سفارات دول العالم المتقدم لدى دول العالم الثالث؛ فهي إما أن تكون مشارك في مساعدة تلك الزمرة من المراسلين  الصحفيين المأجورين لتنفيذ ما كلفوا به من مهام ؛ أو أنها تغض النظر عن أدائهم لمهاهم مشبوهة وتعاملهم كرعايا عاديين . ولكنها في بعض الاحيان حينما يكتشف أمر هؤلاء تلوذ بالصمت المريب ؛ وربما حين تُسأل تمثل دور من لا يعلم أو دور الشيطان الأخرس ؛  بالرغم عالمة بأكثر مما يعلمه المواطن العادي من خلال اختراق بعض دوائر القرار في البلد المعني؛ كما أنها هي هي الأقدر على معرفة الحقيقة المجردة التي تحكي حال الناس قبل الاستهداف وزرع بؤرة النزاع التي يشعلها الغرب . بالطبع ما من سبيل للمقارنة بأي حالٍ من الأحوال بين الحياة المعيشية للمواطن في دول العالم الثالث والافريقية على وجه الخصوص  ؛ إذ لا يختلف الواقع المعيشي في ظروفه الطبيعية كواقع حال من حياة النازحين في كثيرٍ من معسكرات النزوح في الدول الأفريقية التي تعاني من النزاعات؛ مع فارقٍ مهم  ؛ وهو أنهم قبل النزوح كانوا يعملون بجهدٍ وكد  من أجل الحصول على لقمة عيشهم ؛ ولكنهم في معسكرات النزوج   أصبحوا  معتمدين في حياتهم في الحصول على مواد الاغاثة أي أنهم  تعودوا على " التمبلة " وانتفت منهم فضيلة المؤمن القوي وجردوا من شرف العمل وهذا هدف يسعى الاستعمار الحديث لتحقيقه !!. فلو كانت نية الغرب خالصة لوجه الله؛ ثمّ ومن أجل سواد عيون الانسانية ؛ فتكاليف ما تنفقه من معونات واعانات واغاثات عبر الجيوش الجرارة من المنظمات  المأجورة التي تبتلع 80% من جملة المنح كنفقات إدارية  تصرف على المتعطلين من مواطني الدول المانحة في شكل رواتب باهظة  وتنقلات واقامات ؛ هي منظمات في حقيقتها تعمل طابور خامس برسم تلك الدول يلفق التقارير ويدبر شهود الزور . أما نحيب الدول الكبرى على الانسانية المعذبة ما هو إلا حركة مذبوح؛ إذ  لو  كانت نواياها  صادقة وأنفقت هذه البلايين على تنمية  أقاليم النزاعات لكانت قد نهضت بإنسانها  ولكفت أهلها شر القتال ؛ أو كانت قد أوقفت المجازر الاسرائلية على الشعب الفلسطيني أو العراقي أو المدنيين الافغان.!!

v    الصحفي جيفري غليتمان هو أحد كتاب الدراما الصحفية التي تستدر الدموع وتسحب ما في الجيوب  في آنٍ واحد ؛ حتى يتمكن من تمويل رحلاته المكوكية ؛  ولا أكتمكم سراً فهو أحياناً لا يكلف نفسه مشقة الوصول إلى مواقع الأحداث الفعلية  بل يستجم في أقرب بلدٍ مجاور تتوافر فيه بعض مواصفات المتعة ؛ مثلاً كأن يكون بلدٍ ذا طبيعة ساحرة ومناظر خلابة  يستطيع فيه قضاء إجازة سعيدة  ؛ ولا بد من أن  تكون أيضاً فنادقه وثيرة وحسانه متفلتات  ؛ ومن موقع إستجمامه هذا يوظف بعض الصحفيين المحليين   لجمع معلومات معينة مع الكثير من الصور من الدولة المجاورة " بؤرة النزاع " . جيفري غليتمان هو  أحد أهم المتعاملين مع " ناشونال جوغرافي" ودائماً مقالاته الدراماتيكية مكان أهتمام وترحاب إذ تفرد لها الصحف مقدمة الصفحات الورقية والالكترونية ؛ ومن هذه  الصحف " نيوز ويك "  التي لها موقف معادٍ من السودان وتعمل بالتعاون الوثيق مع ما يسمى بمنظمات العمل المدني ( كإنقاذ دارفور ) أو ( هيرتيج ) وكل هذه المنظمات هي أفرع من مركز ( قرن أمريكي جديد) الذي هو ذراع من أذرعة المحافظون الجدد الذي تهيمن عليه الأصولية  " الصهيومسيحية " في أمريكا ؛ هذه عينة على سبيل المثال لا الحصر.  غليتمان أشبه بابن بطوطة الرحالة العربي الشهير وهو رجلٌ يهوى السفر  وعاشق للتنقل والترحال وهو يؤمن أن  في السفر سبع فوائد  ولكنها تختلف عن الفوائد التي نعرف!!

v    علينا أن نقرر لحقيقة هامة وهي أن هذا الجيفري غليتمان لم ينم إلى علمنا أنه  ورث ثروة من جده المهاجرالثري الذي وصلنا نبأ موته تواً من البرازيل ؛ وبالتالي أصبح الحفيد غليتمان فجأةً ثرياً ما بين غمضة عين وانتباهة بال ؛ مثلما هو الحال عندما يحلو أن يشاع أو أن يصور عند اغتناء أحدهم فجأةً ؛ حتى يتخفى وراء ساتر لا يفضح مصادره إن كانت مشبوهة ؛  في حين أن حقيقة هذا الثراء لا يعدو إلا أن يكون  نهيبةٍ  أو رشوة  أو تخابر أو فساد ؛  فلا بد لكل حالٍ من سبب  وفي حال غليتمان لا بد من تبرير هذه الثروة المفاجئة ؛ إذ يتحتم عليه أن يعلن على الملأ وفاة جده الثري في برازيليا لاضفاء الشرعية على المال الذي يصرفه ببذخ من لا يخشى الفقر. ولكن السيد/ جيفري لم يكن مضطراً ليعلن لنا مصدر تمويل رحلاته والتي هي حتماً وبالتأكيد ممولة من جهات لها علاقات استخبارية وذلك نظير السيناريوهات الدراماتيكية التي يتحف بها القاريء ويشحذ بها خياله العاطفي فيستذرف دموعه حينما يقرأ مذيع بليغ  السيناريو بنبرات متهدجة والذي حبكه ببراعة غليتمان حينما يبث حي  على الهواء مباشرة ؛ لا سيما إن استصحب  ببعض مشاهد تحكي مدى البؤس والفاقة والشقاء الذي تعانيه الانسانية المعذبة في جنوب وغرب السودان ؛ والهدف من هذا السيناريو  إثبات أن سبب  عذابات هؤلاء لا يعدو إلا لأنهم ينحدرون من عرق الزنج ؛ أما بقية أهل السودان فيصورهم غليتمان حسب السيناريو الذي يُبث بأنهم يعيشون في رغد ورفاهية وتقدم حضاري وتكنولوجي  وهم مثل المواطن الأوروبي  بل يفوقه بمستوى معيشته ليتعداه إلى مواطن العالم الأول  ؛ إذ يقول أن كل واحد منهم يمتلك شقة فاخرة  شبه غرفها بغرف فنادق الخمس نجوم ؛ فصورهم وكأنهم  يجلسون مثله في الشرفات المترفة يحتسون الشمبانيا ويمزمزون بالكافيار وبجوارهم الجواري الحسان والحريم القيان ولا يكابدون الفقر أو يدركون معناه أو يجترون علقمه أو يشتمون رائحته ؛ فهم لا يعانون كالزنج الأمراض والجوع والعطش والأمية و التهميش ولا غياب الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية المرأة . حبك السيناريو ليظهر غير الزنج بأنهم يعيشون حياة مخملية تكللها ممارسة ديمقراطية تفوق ديمقراطية ويستمنستر ؛ أما عن كفالة حقوق الانسان فهي أشبه بتلك التي يمتع بها المواطن في السويد و النوريج.!!

v    مشكلة أمثال غليتمان أنهم يوظفون مواهبهم برسم البيع لإزكاء  معضل الهوية  لخدمة دول لها أجندة ما  وتعلم بوجود هذا المعضل وتوظفه لخدمة أهدافها  عبر أفراد مثله ؛ وفي ذات الوقت علينا أن نعترف بوجود أصل وجذور لهذه المشكلة ؛ وعدم التعامل معها بحكمة أدى إلى تفاقمها حتى أصبحت معضلة استدعت تدخل أطراف الأجندة الخفية ؛ وهذا بفضل إهمالٍ ربما متعمد أو بحسن نية من الرعيل السياسي الأول الذي عمل للإستقلال وجاء به ولا يستثنى منه الساسة المعاصرون؛ ربما أيضاً تعزى لنرجسية سياسية أصابت تلك النخب فمارست الاقصاء واحتكار القرار؛ فلو كانت كل النخب السياسية والحكومات المتعاقبة أدركت مسئولياتها تجاه الوطن وعملت بجد لترسيخ مبدأ المواطنة  وطبقت خطط للتنمية المتوازنة لما  واجهنا مآزق سيناريوهات دراماتيكية يحيكها هذا الجيفري غليتمان وما كنا اليوم نخطو بخطوات سريعة نحو انفصال الجنوب.!!

v    أتدرون متى أدركت أننا حتماً سنصل إلى ما نحن فيه الآن  وأن هذا المآل  حتمي؟! ؛ نعم  أدركته يوم أقيمت مذبحة الديمقراطية وإغتيلت على أيدي بعض من جاءت بهم الديمقراطية  الثانية عبر صناديق الاقتراع وكانوا يزعمون أنهم من المستميين من أجلها وهم من قال :" أنهم ولدوا ليحكموا " ؛ وهم أنفسهم من حكم السودان بعد حكومة سر الختم الخليفة ؛ التر أجرت انتخابات الجمعية التأسيسية التي تلت ثورة أكتوبر 1964 ؛ حينئذٍ تآمر الامام ( الحالي) الصادق المهدي مع جبهة الميثاق لطرد نواب الحزب الشيوعي الأربعة من الجمعية التأسيسية ، يومها أدركت أن من لا يحتمل الآخر لا يعدو إلا أن يكون ديكتاتوراً في مسوح ديمقراطي أي " إمام " يستغل الديمقراطية ليحقق هزيمة غير مستحقة بالرأي الآخر؛ رأي آخر أتي به  ناخبين ليكونوا ممثليين شرعيين له داخل الجمعية عبر ثفةٍ  أصواتٍ نالها ؛ بل أمسي  يعتقد أن فعلته نصر مبين  فدمغ نفسه ليكون أكثر شمولية من أي حكم ديكتاتوري أطاحت به ثورة شعبية !! .. يومها نعيت الديمقراطية لأصدقائي وقلت لهم : لن تمر بعد هذه المجزرة على وطننا أي ديمقراطية حقيقية .. بل كلها ستكون شموليات في مسخٍ ديمقراطي ؛  وختمت قائلاً : على الدنيا السلام!!.. فرد عليّ أحد الاصدقاء ساخراً : حتى السلام سيكون حلماً بعدما قمنا بالانقلاب على الديمقراطية من عقر دارها .ز من البرلمان!!.. لذا فإن غليمان وأمثاله وجدوا المرعى الخصب  ليعثوا فساداً في بلادٍ أغلب أعدائها من بعض أبنائها.!!
(abubakri@mvpi.com.sa)

عن د. ابوبكر يوسف

شاهد أيضاً

اين أنتم ايها المتخمون من معاناة المتضررين؟!! .. بقلم: د.أبوبكر يوسف ابراهيم

  بتجرد أين انتم فلم نسمع لكم صوت ولا حركة؟! اين دور الرأسمالية الوطنية.. اين …

اترك تعليقاً