(١)
عندما يتم إعلان حالة الطوارئ بواسطة رئيس الجمهورية، فإن ذلك لابد أن يأتى استناداً للسلطات الممنوحة له في الدستور السارى، وبما يتفق مع الحالات والضروريات الموجبة لذلك الإعلان، لا أن يكون خبط عشواء، وفقاً لمزاجية السلطة الحاكمة ، أو بغرض فرض مزيد من السيطرة والضبط على البلاد، أو لإخماد حراك الشارع، الذى قد يحتج سلمياً نتيجة ترد لأوضاع اقتصادية أو سياسية، والذى هو – أى، كل احتجاج سلمى – يعتبر مكفولاً بالدستور .
(٢)
وفقاً لنص المادة 210 من دستور جمهورية السودان الانتقالى، فإنه يجوز لرئيس الجمهورية إعلان حالة الطوارئ في ظرف محدد، و هو حدوث (خطر طارئ) يهدد البلاد او جزء منها. اي انه يشترط لذلك الإعلان وجود (خطر) فعلى ، على ان يكون ذلك الخطر (طارئا ومهددا) للبلاد او جزء منها.
لم يترك الدستور تعريف ( الخطر) لسلطة رئيس الجمهورية التقديرية، انما حددته ذات المادة 210، بأن حصرت حالاته في خمس :(الحرب -الغزو- الحصار – كارثة طبيعية – اوبئة)، شريطة أن يكون ذلك الخطر المحصور والمحدد في تلك الحالات (مهدداً لسلامة البلاد او اقتصادها) . فهل توفرت ايا من حالات الخطر المذكورة حتى يتم إعلان حالة الطوارئ؟ وبافتراض توفر واحدة منها.. فهل تعتبر مهدداً لسلامة البلاد أو اقتصادها؟
(٣)
لابد من القول ابتداءً ، أن (البلاد) هنا، وبضرورة الحال، ليس المقصود بها السلطة الحاكمة، إنما السلم العام و مسير الحياة العامة وسلامة المواطنين ككل ومكتسبات وممتلكات البلاد.
واقع الحال يشير بجلاء تام إلى عدم توفر ذلك الخطر باشتراطاته الدستورية، إنما ملخص ماحدث هو اندلاع احتجاجات شعبية، ابتدأت بالتنديد بالضيق الاقتصادى والفساد الذى استشرى ، وحرمان الآخرين من حقوقهم السياسية، بجانب التضييق على الشباب وافقادهم بوصلة الطريق نحو المستقبل، واستمرت تلك الاحتجاجات ولازالت، ازاء التصدى العنيف لها من قبل السلطات الأمنية التابعة للنظام الحاكم، مما أسفر عن ذلك التصدى عشرات القتلى ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين تعسفيا. إذ لم تتعرض البلاد لحرب خارجية أو غزو أجنبى، ولا ضربتها الأوبئة وما سلطت عليها السماء كوارثا طبيعية، كالبراكين والزلازل والفيضانات، التى من شأنها إيقاف مسير الحياة اليومية وتهديد حياة المواطنين. وحتى بالنسبة للحصار، الذى تحجج به النظام الحاكم بزعم تسببه في الضائقة وعدم المواكبة، فعلى العكس تماما، اذ تم رفع الحظر الاقتصادى عن البلاد قبل عامين، والذى فى ظل وجوده سنين عددا، وللغرابة، لم يتم إعلان حالة الطوارئ!!
(٤)
بما أنه قد تم التثبت والتيقن من عدم توفر كل حالات الخطر الداعية لإعلان حالة الطوارئ، لابد كذلك أن نسأل عن ذلك الشق الذى تناولته المادة 210 من الدستور، والمتعلق بتهديد الاقتصاد، وإن اشترطت تلك المادة أيضاً أن يكون سبب ذلك التهديد يعزى لواحدة أو أكثر من الحالات الخمس المشكلة للخطر.
المعلوم للكافة أن الاقتصاد السوداني ظل فى حالة ترد مستمر منذ استيلاء النظام الحاكم على سدة الحكم، وبعد إعلانه العداء للعالم الخارجى، وتجفيفه لموارد الإنتاج، واستفحل ذلك التدهور بعد انفصال الجنوب فى العام ٢٠١١، بسبب اعتماد النظام فقط على البترول، الذى ذهب مع الإنفصال . إلا أن التدهور المتسارع وانخفاض قيمة العملة الوطنية كل رأس ساعة ابتدأ فعلياً قبل عام وبضع عام على وجه التحديد. ولم يكن السبب في ذلك إلا سوء السياسات الحكومية والفساد الذى تم تقنينه حتى أصبح هو أساس الدولة والحكم وماعداه باطل. وبدلا من أن يسعى النظام الحاكم لمحاربة الفساد عمل على حمايته، وتكسير كل القنوات والأجسام التى كانت من شأنها اعانته في حربه عليه. وعندما حمى الوطيس، لم يجد النظام الحاكم غير تحجيم المصارف عن تزويد عملائها بأموالهم المودعة لديها، بعد أن انصرف الناس أجمعين على سحب السيولة، بغرض تحويلها إلى عملات أجنبية اتقاء الخسارة .
قبل وأثناء تلك الأحداث، شهدت البلاد ولازالت أزمة في المحروقات والخبز. فكان لابد للشارع أن يحتج على الحكومة التى ماوفرت له ضروريات الحياة، والتى هى أولى واجباتها. وفى وسط كل هذا الزخم، ارتفعت أسعار كل السلع والخدمات إلى معدلات فلكية دون أن يقابل ذلك الارتفاع تعديلاً في الأجور ، وغاب العلاج والدواء، واصبح باطن الأرض خيراً من ظاهرها. كل ذلك كان نتاج وحصيلة صراع دوائر حكومية فيما بينها، دون تدخل من المعارضين أو جهات خارجية، الشيئ الذى برر خروج المواطنين بصورة سلمية، للمطالبة بتغيير نظام الحكم الذى افقرهم، وصار وجوده مهدداً للسلامة العامة والاقتصاد الوطني، مما يعنى أن ذلك الخروج بات محروسا بنصوص الدستور، وأن مقاومته العنيفة هى التى خرقت الدستور لا العكس.
يبقى القول فى هذه الجزئية، بأن ضبط الاقتصاد ومحاربة الفساد لهو أمر لا يحتاج أن تعلن بشأنه حالة الطوارئ بتكلفتها السياسية الغالية، إنما يمكن حسمه في نقطتين، الأولى معالجة الأسباب الحقيقية التى أدت للتدهور، والثانية بتقديم الفاسدين لمنصات العدالة بموجب القوانين المعمول بها. فقط لاغير.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم