حبيبي غاب في قهوة النشاط بلاقي! .. بقلم: عثمان محمد حسن

يا لها من مصيبة رؤى الأشياء من زوايا مختلفة!

البقالات التي على مقربة من مكاتب متنقذي اليوم تعرف، باعتبار ما كان، كمية الفول المدنكل التي ازدردوها  أيام كانت العدالة الاجتماعية تمشي مرفوعة الرأس في حواري و شوارع و مكاتب مدن و قرى السودان..  الكل سواسية.. أيامَ أن كان من باستطاعته شراء الفراخ يشترِي و يأكل مما عملت يداه.. و من لم يستطع فكان عليه بالفول، فإن فيه ما يقيم الأود.. و من غالَب (حق ) صحن الفول فغُلب ، يستطيع أن يتعشى ب( البوش) و يا حبذا لو ضمن معه ( حاجة باردة) دون أي إحساس بالدونية..

و ( دخلت) أغاني البنات جامعة الخرطوم في الستينيات- بدون ديستينكشن و لا كريديت- لتعلن على الملء أن الحب ليس في ( فطور العريس)  من واردات لاس فيجاس ولا  باريس و لا كينتاكي.. فكل المطلوب هو الحب و بس! و ” حبيبي غاب في قهوة النشاط بلاقي.. ساكن البركس.. بلاقي! شارب العدس.. بلاقي! ضارْبُو الفلس,.. بلاقي!”

و في ” ضارْبُو الفلس” بيت القصيد.. لأن معظم طلاب الجامعة دخلوها من بيوت ( مستورة الحال).. فكان لزاماً على الجامعة أن ( تعِين) الطالب القادم من تلك البيوت ببضع جنيهات في أول العام، لزوم الكسوة و ما إليها.. و بجنيه و نصف الجنيه في كل شهر لزوم النثريات.. و مع ذلك كان الفلس يطل برأسه أحياناً.. و قد أشار إليه أحد الزملاء ضمن إشارته إلى مارس ( شهر الكوارث) “… يا حليلو قال خاشي البلد.. يا حليلو كيفن نستعد…”  فإن ( أراذل) الأيام هي أيام الفلس:- ” وا شوقي لي سينمات عديدة أشوفا في أيام فلس!” فالأفلام السينمائية ( الراقية) كانت تُشاهَد في سينما النيل الأزرق بالخرطوم قبل أن تشاهد في أي عاصمة عربية أو إفريقية أخرى أيامها..

و الفلس خشم بيوت.. فنحن المُنْعَم عليهم بالبيرسري نقف في الصف لتسلم ما تجود به الدولة علينا.. و هو حقٌّ لنا على الدولة التي كانت تراعي حقوق بنيها عليها.. لكن بنيها- زملاء صف البيرسري- تناسوا حقوقها عليهم بعد أن شبو عن الطوق و تسنموا كراسي السلطة.. و أول ما بدأوا به من عمل هو السعي بكل الوسائل لتحطيم الصرح الذي “.. أطعمهم  من جوع و آمنهم من خوف”.. و هم الذين كانوا عالة عليها الجامعة.. و على مشروع الجزيرة الذي حطموه هو الآخر.. و وقوفاً كالكلاب ( تبولوا) على سكك الحديد التي كانت عماداً لمشاريع التنمية و رسول إخاء و محبة بين الناس طالعين و نازلين في أمان…

أما عن قهوة النشاط، فقد كانت منتدى ثقافياً يجعلك تشعر بحقيقة وجودك داخل جامعة عريقة هي أم الجامعات السودانية.. و النقاشات تحتدم في أحايين كثيرة بين ( الإخوان الجمهوريين) و ( الإخوان الكاذبين).. و كان أحد الزملاء يقول:- ” مافي زول بقدر على الجماعة ديل غير الجمهوريين!” يغلبونهم بالمنطق الواضح فيلجأ الكاذبون إلى الاعوجاج و التغبيش المفضوح.. و لا أنسى أخانا الطالب وقتها ( الدالي..) الذي كثيراً ما ( دلَّاهم) بحبل المنطق في بئر بلا قرار.. و جعل ( الوجوجة) تكتر و العنتريات تطفو على السطح.. و لم أستغرب حين علمت بأنهم اغتالوا الشيخ محمود محمد طه، الرجل القامة بعد مغالطات لا علاقة لها سوى بفضحه بعض (عمايل بعضهم) السودا.. و بهزائمهم أمام فكره المتقدم على أفكارهم الداعشية.. و لأسباب أخرى يقال أنها أججت حقد الترابي على الرجل القامة..

ملاعين، يعرفون أننا نعرفهم  تماماً.. و نعرف- بالقطع- من كانوا معنا في صفوف البيرسري و نعرف أشياء أخرى كثيرة!

و الآن ( الإخوان الكاذبون) لا يقفون في صفوف البيرسري بل يهرولون إلى صفوف ( هِبات) آخر موديلات السيارات.. بمليارات الجنيهات.. بعد أن صار السودان ملكاً لزملائي في صفوف البيرسري في زمان تناسوه بعد أن تطاولوا في البنيان.. و تنمردوا.. و قذفوا بالدولة إلى القمامة.. و بالطلبة القادمين من البيوت ( المستورة)، لتحصيل العلم في الجامعة، ألقوا بهم تحت رحمة الطحنية و ( البوش).. و الجوع يحاصر بعض الطالبات فيعملن بائعات شاي.. و يرهق بعض الطلبة فيعملون سائقي ركشات بالأجر.. أو في بناء بيوت الزبالة.. خاصة و العمل فيها مطلوب و الخريف على الأبواب.. و ( والينا) سوف يترقى مساعداً لرئيس الجمهورية بعد أن هزمته السيول و الأمطار في مصارعة حرة.. لم يكن التحكيم فيها فاشلاً ..

أعرف شاباً من جماعة (  الإخوان الكاذبين باسم الله)، تم تعيينه في إحدى المؤسسات ذات الثقل.. عقب تخرجه مباشرة.. و تسلم سيارة ( برادو) فخيمة.. يعمل بيها إيه؟! أنا ما عارف!

و يعمل بيها إيه هذه  ذكرتني بحادثة وقعت في ميدان كرة القدم أثناء مباريات منتخب السودان ضد مصر في عصر ظهرت فيه روائع عظماء الكرة السودانية أمثال برعي أحمد البشير.. و صديق منزول و ود الزبير و قرعم و عمر التوم.. و سليمان فارس، الملقب بالسد العالي لمميزاته الدفاعية الهائلة و له صولات و جولات في الأندية المصرية.. و  انضم اللاعب ( التقر) إلى الكبار لاعباً حديثاً على المباريات الدولية، و فيه شيئ من دروشةٍ.. و أثناء سير المباراة، تسلم سليمان فارس الكرة.. فصاح فيه التقر مطالباً بإرسال الكرة إليه:- ” هنا يا السد.. هنا.. هنا!”.. و على الفور رد عليه سليمان فارس بلهجته المصرية:- ” تعمل بيها إيه يا التأر!؟”

يعمل بيها إيه أنا ما عارف!

لكني أعرف أن الجماعة لديها رأي آخر لا علاقة له بالمؤسسة التي تم تعيين نسيبي ذاك فيها! و هكذا هم دائماً.. و هم المتطلوعون لاستمرار حكمهم ”  إلى يوم الدين” كما قال أحد متنفذيهم الأكثر غروراً و خواءاً.. و الغرور الأجوف لا يلبث أن يسلط الأضواء على صاحبه فيكشف ما لم يكن يريد كشفه من حقائق..

فقد إستقال وزير العدل المصري قبل يومين.. بعد أن فلت لسانه.. و صرح تصريحاً كشف نسيانه ماضيه بسبب إحساسه بالعلو على من عداه من المصريين من نفس طبقته.. إذ أعلن ألَّا فرصة لأبناء عمال النظافة للترقي لأعلى المراتب في السلك القضائي المصري.. ما أثار غضب المصريين- على مختلف مشاربهم- و هز الحكومة و هدد حتى رئيس الجمهورية.. فاضطَّر الوزير للإستقالة و الاعتذار و الاعتراف بأنه كان ابن عامل بسيط من عمال مصر.. !

شفتو كيف؟ مستجدو النعمة دائماً ما ينسون أين كانوا.. فيتكبرون على ماضي ذويهم الشرفاء..

و هنا في السودان ينتوون ابعاد قدرة الفول من أمام البقالات..! ليه؟ يمكن دايريننا ناكل ( الهوت دوق) عشان يبُوبَروا:- ” نحن العلمناكم كيف تاكلو الهوت دوق!”

osmanabuasad@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً