حرب النهر.. ونستون تشرشل

بقلم : هشام الحلو
حين يكتب “ونستون تشرشل” عن السودان في مقتبل عشرينياته، فهو لا يكتب مجرد تقارير مراسل حربي جافة، بل ينسج بريشة الفنان الشاب ملحمة قوامها الذهول من جغرافيا النيل وسحر أهله. في كتابه “حرب النهر”، الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1899م، لم يكن تشرشل يرى في “الأنصار” مجرد خصوم عسكريين، بل رآهم دراويش زاهدين، اتخذوا من الفقر رداءً ومن الإيمان ملاذاً عميقاً هرباً من إحباطات الحياة وتقلباتها؛ فكان يرى في هذا “الدرويش” السوداني كائناً صوفياً بطبعه، يضع “الجبة المرقعة” فوق جسد نحيل أضناه الصيام وأقوته العزيمة، وكأن الزهد لديه ليس قلة في المورد، بل هو غنى في الروح يجعل من الموت في سبيل العقيدة أسمى أمانيه.
هذا السوداني الذي جاء من أقصى الشمال، من “جزيرة لبب” كحال المهدي، أو من أقصى الغرب كحال التعايشي، أو من الوسط النيلي كعلي ود حلو، وصولاً إلى ذاك الفارس الأسطوري القادم من وهج الشرق، “عثمان دقنة”، الذي طوّع جبال البحر الأحمر لخدمة فكرته؛ هؤلاء جميعاً توحدت مشاعرهم تحت راية واحدة صهرت الفوارق القبلية والجهوية في بوتقة “المهدية”. وقد تجلى هذا الانصهار العظيم في معركة “كرري” الخالدة، حين وقف تشرشل مذهولاً يراقب من موقعه “بحر الدراويش” وهو يتدفق هادراً نحو الموت بصدور عارية؛ لم تكن “كرري” بالنسبة له مجرد ساحة حرب، بل كانت تجسيداً لكبرياء أمة آمنت بأن الكرامة عزة وأن التواضع طهارة. وصف تشرشل هجوم الأنصار بكلمات تقطر إعجاباً خفياً بأنهم “أشجع من مشى على الأرض”، فبرغم حداثة مدافع “المكسيم” وفتك الرصاص، لم ينكسر ذاك المد الصوفي الجارف، بل كان المقاتل يسقط وهو قابض على رمحه وكأنه يعانق الخلود، مؤكداً ما رآه تشرشل وأنصف به بسالتهم حين قال إن هؤلاء الرجال “لم يُهزموا، بل دمرتهم آلة الحرب الحديثة”؛ ذلك لأن شجاعتهم كانت تتجاوز حدود المنطق العسكري لتدخل رحاب التضحية المطلقة التي لا تكسرها النيران.
وفي غمرة هذا الصراع، لم يغفل تشرشل عن تلك الرابطة الأزلية التي تربط السودان بمصر، فصوّر العلاقة بينهما بصورة شاعرية عميقة، مشبهاً إياها بنخلة باسقة، جذورها ضاربة في أعماق الأرض السودانية، وسعفها يظلل وادي النيل وصولاً إلى الشمال. هي علاقة وجودية، قدرية، لا تقبل الانفصام؛ فالسودان بالنسبة لمصر هو شريان الحياة، ومصر بالنسبة للسودان هي المصب والامتداد، كلاهما يستقي من النهر ذاته الذي شهد صمود الأنصار في “كرري” وانكسار دولتهم لاحقاً. هذه الروح الوجودية هي ذاتها التي تجلت في مشهد “أم دبيكرات” الختامي، حين وقف تشرشل شاهداً على استشهاد الخليفة عبد الله وعلي ود حلو وهم يجلسون على “فراواتهم” بوقار وهدوء، في مشهد يختصر حكاية الزهد المهدوي؛ حيث تنتهي معارك الأرض بسلام النفس الراضية.
لقد غدت “أم درمان” التي رآها تشرشل يوماً عاصمة للدراويش، رمزاً أبدياً لهذا الصمود الصوفي المتجذر، بقعة مدهشة تجمع بين هيبة الدولة وبساطة الروح التي لا تُقهر. لقد أرّخ تشرشل في “حرب النهر” لتلك الروح السودانية التي لا تكسرها السنين، مؤكداً أن هذا الشعب الذي توحد من “حلفا” إلى “نيمولي”، ومن “سواكن” شرقاً إلى “الجنينة” غرباً، في تلك الحقبة، يحمل في جيناته كبرياءً صوفياً يجعل من الفقر عزة، ومن الإيمان سلاحاً أمضى من كل حديد العالم، لتبقى “أم درمان” شاهدة على أن النصر ليس في كسب المعارك فحسب، بل في بقاء الروح عصية على الانكسار.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

الفيتوري….وعبد الخالق محجوب: لا تحفروا لي قبراً

بقلم : هشام الحلوتتجلى تجربة محمد مفتاح الفيتوري كزلزال شعري لم يكتفِ بهز أركان القصيدة …