حل أزمة السودان وأزمة الحل .. بقلم: عبدالله علي احمد،، الخرطوم


bdalla3li@gmail.com
    منذ فجر الإستقلال الى يومنا هذا والنخبة السياسية السودانية تتنكب فى طريقها نحو بناء دولة قوية قادرة على القيام بمسئولياتها كاملة ,ووطن يسع الجميع بلا تفرقة . إذ أننا نعيش فى حلقات مفرغة من الأزمات فما إن تنجلى أزمة حتى تأتىأخرى أشد حلكة وسوادا ما جعل وطنا يتمتع بالموارد الطبيعية والبشرية ناهيك عن الموقع الإستراتيجى وغيره من المقومات فى مرحلة العجز فلا هو ميت ولا هو حي يرتجى . تقودنا هذه المفارقة الى البحث عن جذور الأزمة السودانية التي أعيت الطبيب المداويا,وفى توصيف أسباب الأزمة تختلف الآراء فالبعض يرجع السبب الى الحرب المشتعلة فى انحاء البلاد وبعض من المؤمنين بنظرية المؤامرة يرجعون الأمر الى المؤامرات التي تحاك ضد البلاد وغير ذلك من التوصيفات المختلفة والتى قد يكون فيها شئ من الصحة ولكنها فى نفس الوقت ليست السبب الرئيس في تخلفنا عن ركب الدول التى تقدمت ,فمن البديهي الذي تكاد لا تنتطح فيه عنزان أن مشكلة دول العالم الثالث بوجه أعم والسودان على وجه الخصوص هي غياب الديمقراطية وليس المعني بالديمقراطية فقط تلك العملية الإجرائية التى تبتدئ برمي ورقة الإقتراع فى صندوق الإنتخاب وتنتهي بالفائز الأوفر حصدا للأصوات وإنما المقصود بها العملية الشاملة التي تبتدي بالتنافس الشريف بعيدا عن استغلال أي حزب لمقدرات الدولة دون حزب آخر ,ثم إنتخابات حرة ونزيهة تتساوى فيها الفرص أمام كل القوى السياسية لتأتي النتيجة بمن يضع الشعب ثقته فيه ,ويلى ذلك بناء مؤسسات قوية كقضاء مستقل الجميع أمامه سواسية والكل يقع تحت طائلته فى حالة الخطأ والتقصير فليس هنالك مكان لعهد البقرات المقدسة, ويكتمل المسير الديمقراطي عبر أجهزة رقابية نابهة تعبر عن ضمير الشعب (برلمان..مجلس شعب)تؤدي دورها على أكمل وجه ,هذا مع مناخ الحرية ,وإحترام الجميع لقواعد اللعبة الديمقراطية. والقول بأن الديمقراطية هى الحل ذلك في كونها الحل العبقري الذى يحسم به الصراع الذي يصل حد النزاع أحيانا بصورة سلسة وحضارية,وفي بلد كالسودان بتنوعه الكبير تظل الديمقراطية هي أنسب الطرق لحلحلة القضايا عبر الصناديق لتخفت أصوات البنادق ولعلعة الرصاص. إلا أنه من المحزن أن كل المعسكر السياسي السوداني كان دوما عقبة في طريق حل مشكلات السودان ,وذلك لتعاطيه السلبي تجاه الديمقراطية ولا يستثنى فى ذلك أي إتجاه كان سواء كان يمينا أو يسارا ,إذ إتصف موقفهم دوما بالذرائعية وإن إدعت الأقوال مبدئية المواقف. وتجربة هذه القوى مع الديمقراطيات الثلاث التى مرت على البلاد خير شاهد ودليل على ذلك ,فالديمقراطية الأولى التى تؤرخ من سنة1954من أجهضها هو حزب الأمة بتسليمه السلطة طواعية الى الجيش ممثلا في الفريق عبود عام 1958 وهنا يبرز موقف حزب الأمة مغلبا المصلحة الحزبية وممعنا في الكيد السياسي لخصومه على حساب المصلحة الوطنية ,وهكذا تقبر أول تجربة ديمقراطية في مهدها,ليستمر نظام عبود حتى ثار عليه الشعب السوداني في ثورة أكتوبر 1964 لتعقب الثورة التجربة الديمقراطية الثانية والتي بدأت من العام 1964حتى إنقض عليها العقيد النميري في مايو 1969,وتجهض التجربة الديمقراطية مجددا وكان أول من ناصر النميري وآزره هو تحالف اليسار العريض كل حسب دوافعه ,فالحزب الشيوعي سانده تشفيا ضد قرار حله في الفترة اليمقراطية ,والقوميين رأوا في النميري وشعاراته تجسيدا لأحلامهم في الوحدة العربية,وهكذا إستمر نظام النميري بتقلباته حتي أنهى الشعب السوداني حكمه في انتفاضة أبريل ,ليعقب الإنتفاضة فترة إنتقالية ومن ثم تأتي الديمقراطية الثالثة بدءا من 1986وكان اللافت في الإنتخابات الديمقراطية الثالثة التي مرت على السودان الكسب الذي حققته الجبهة الإسلامية فيها مقارنة بسابقتها حيث كانت الكتلة الثالثة فى البرلمان عبر إكتساحها لكل دوائر الخريجين,وعلى الرغم من ذلك الكسب تحركت عبر منتسبيها في الجيش فى العام1989 وإستولت على السلطة لتجهض التجربة الديمقراطية الثالثة في السودان . ونستقرئ من هذه السردية المختصرة عن حال الديمقراطية في السودان والتعاطي معها أن كل المعسكر القديم الذي ظل يحرك المشهد السياسي منذ ستة عقود هو السبب الرئيس في مسلسل التراجيديا الذي لا زلنا نعايش فصوله,وذلك بإهداره لكل فرص البناء الوطني وتعامله غير الحكيم أمام القضايا المصيرية ما أفقد الشعب الذي ثار مرتين الثقة في كل القوى فكان سببا في تحكم الأنظمة غير الديمقراطية ما أهلك البلاد والعباد. وهنا ثمة تساؤل يطرحه كل حادب على مصلحة السودان هل هذا المعسكر القديم المستمر حتى الآن قادر على العبور بالسودان الى بر الأمان وإخراجه من أزمته ,وفي الإجابة على ذلك لا يظن ظانا أن هذه النخب المثقلة بستة عقود ومن الخيبات والصراعات الأيدلوجية والجدالات البيزنطية قادرة على تقديم حلول ناجعة ,فقد قدمت كل ما لديها .فالحل اذا في أن تأخذ زمام المبادرة قوى جديدة واعدة ذات دماء حارة وعقول واعدة تفكر خارج الصندوق لتبتكر حلولا إبداعية تتجاوز بها كل أخطاء المعسكر القديم وتكنس آثاره وتلملم ما تبقى من وطن,قوى تكون أساس رؤيتها إستغلال السودان لموارده لتعم الجميع , وتفجير طاقات إنسان السودان ,وترسيخ الديمقراطية ليعم الأمن ولأستقرار والسلام والرخاء ,وتتكافى الفرص والإمكانات أمام الجميع دون تفرقة ,وبهذا تكون وضعت السودان فى الطريق الصحيح للوصول لحلم سودان الغد الذي ينشده الجميع.
  

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً