(الكلاحة) لفظ لا أصل له في قاموس اللغة العربية، هي كلمة من اللهجة الدارجة في فلسطين وبلاد الشام عموما، ويُقصد بها الشخص الذي لا يستحي أو ما في وجهه دم، أو من لا (يختشي) كما يقول الأخوة في مصر، أو وجهه مقصِّدر كما يقول اخوتنا المغاربة، و المُكَلِح عكس الرجل الذي به سمة الحياء، وإن كان الحياء من مكارم الأخلاق فالكلاحة من أرذلها.
المُكَلِح كوكتيل من الصفات الممقوتة، فهو لا يستحي أو يخجل ووقح وغير مؤدب وجبان ومنافق وانتهازي وفاسد ومدعي معرفة، فالمكلح لا يتورع عن الكذب والنفاق دون أن يردعه دين أو قانون أو اخلاق أو حس وطني، وذلك لتحقيق مصالح خاصة. وهناك فرق بين الشجاعة والكلاحة، فالمكلح يتظاهر بأنه شجاع مراهنا على عدم معرفة الناس به أو جبن بعضهم أو كونه مسنوداً من جهة عليا، ولكنه في جوهره جبان رعديد وليس عنده حجة فيما يدعيه كما أن تصرفاته تضر بالآخرين، أما الشجاعة والجرأة فصاحبها يكون على حق وله خُلق نبيل وله حجته التي يُقنع بها الآخرين كما أن شجاعته لا تضر الآخرين.
المكلحون هم الذين نعتهم الرسول الكريم في أحد احاديثه بـ (الرويبضة)، وحذر منهم الأديب الكبير نجيب محفوظ عندما قال : “ويل للناس من حاكم لا حياء له”، فهؤلاء أكثر خطورة في مجال السياسة مما في العلاقات الاجتماعية، فأضرار المكلحين من الناس العاديين تمس البعض أما مخاطر واضرار المكلحين السياسيين فتمس عامة الناس وتضر بالمصالح الوطنية، والكلاحة السياسية لا تقتصر على الطبقة السياسية الحاكمة بل موجودة أيضا عند المعارضة السياسية، كما أن الكلاحة السياسية عند الطبقة السياسية في دول ومجتمعات خاضعة للاستعمار أو فقيرة تكون أكثر خطورة مما هي عند الدول المستقلة والمتحضرة.
نسبة كبيرة من النُخب السياسية السودانية تتمتع بقدر كبير من الكلاحة السياسية حيث لا حدود لكذبها وكأن الشعب مجموعة من الجهلة أو المتسولين، تكذب في الحرب وتكذب في السلم، انتصاراتها أكاذيب ومنجزاتها اكاذيب، تكذب لأنها لا تخشى رادع يردعها، لا دين ولا أخلاق ولا قانون، والمصيبة أن المكلحين يعرفون أنهم يكذبون ويعرفون أن الذين يستمعون لهم ويصفقون لهم يعرفون أيضا أنهم يكذبون، ومع ذلك يستمرون في الكذب
النخب السياسية المكلحة لا تستمع إلا لنفسها وما تمليه مصالحها ولا تستفيد من اخطائها أو تحاول تصحيح مسارها، وما بين هذه النُخب المكلحة والشعب شبه قطيعة، فكلاحتها تجعلها لا تحترم الشعب أو تخاف منه، كما أنهم يتصرفون وكأنهم المرجعية الدينية والمرجعية القانونية والمرجعية الوطنية وكل من يعاديهم يتم تصنيفه كخائن أو كافر أو جاهل أو ناكر للجميل.
الكلاحة السياسية في مجتمعنا أصبحت مستفزة لأن أضرارها لا تقتصر على الفساد والإفساد بل تتعدى ذلك للمس بالمصالح الوطنية العليا، بل وتصل إلى أن يتحدث الجهلاء أمثال حميدتي ويهدد ويساؤم اوربا بقضايا الهجرة واللاجئين في حال أنهم لم يتلقوا الدعم اللازم من اوربا. في نفس الوقت نجد ان حوالي ٩٠٪ من اللاجئين نساء واطفال وعجزة، ١٢ الف لاجي حسب الاحصاءات فروا من مجازر الجنجويد في جبل مون في ولاية غرب دارفور و وصلوا الى الاراضي التشادية والحكومة التشادية مع المنظمات تبذل الجهود لاستضافتهم لماذا لا تتحدث عنهم يا حميدتي؟، ثم يخرج علينا الامبراطور الآخر مناوي مناشدا السلطات والمنظمات الانسانية بالاسراع بالتعاون ودعم وانقاذ حياة البسطاء بعد تفشي وباء التهاب الكبد الفيروسي ووفاة حوالي 20 امراة حامل بسبب مضاعفات المرض ، مبلغ الثلاث ترليون الذي صرفته الحركات المسلحة وقادة الانقلاب في اعتصام الموز كان يمكن أن يستغل في توفر حياة كريمة وبئية صحية لهولاءالناس ولكن اخترتم أن تقتلوهم و تهجروهم من قراهم ثم تطلبوا الاعانات لشئ في نفوسكم المريضة. حميدتي يهدد أوروبا والولايات المتحدة بزيادة كبيرة في أعداد اللاجئين السودانيين إذا لم يدعموا حكومة الانقلاب العسكري ويزعم أن الجيش الذي يتعرض لانتقاد بسبب الانقلاب هو الذي يسيطر على حدود السودان ، يا عزيزي تكرما أرحنا من هرائك السخيف فاروبا تجاوزتك ولن تستمع لأمثالك ولك أن تعلم أن سياسة المساومة بكرت اللاجئيين والهجرة غير الشرعية لن تعطيك لا أنت ولا بقية الانقلابين اي شرعية سلطة ولا تنالوا سنتا واحدا من خزائنها.
في ظل غياب العملية الديمقراطية السليمة سيبقى الشعب محكوماً بالكلاحة والمكلحين أمثال هؤلاء والتوم هجو والذي منو ، ولأنهم مكلحون فلا تؤثر عليهم لا المظاهرات المنددة بهم ولا المقالات والتغريدات والعرائض المطالِبة برحيلهم، وكما يقول المثل (إذا لم تستحي فأصنع ما شئت) وهم لا يستحون.
نحن في وضع تتعمق فيه أزماتنا الداخلية،نحن نعيش ازمات عميقة على كل الصعد وفي المقدمة منها النظام السياسي بكل مكوناته والقوات النظامة بكل مكوناتها ومركباتها من السلطة للأحزاب والمجتمع المدني ،وكذلك نحن نعيش ازمات اجتماعية عميقة، حيث تتنامى ثقافة الدروشة والجهل والتخلف ، ويجري تقديم مصلحة الفرد على المجموع والقبيلة والمليشيات على الوطن،ونشهد حالة إنهيار غير مسبوق لمنظومة كاملة من القيم،انهيار في الجوانب الأخلاقية والسلوكية،والحديث عن أن ما يحدث غريب عن سلوكنا وعاداتنا وتقاليدنا،أصبح غير مقنع لطفل صغير،فهذا يجب أن يلمس في الواقع وفي السلوك والأخلاق والحياة العامة،وليس في الشعارات والبيانات والخطب الرنانة.
Mido34067@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم