حول أزمة زى النساء في السودان .. بقلم: خالد أحمد
31 أكتوبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
kh_ahmmed@hotmail.com
عندما يتم طرح مشكلة الزى خارج حدود السودان كما حدث مثلا في bbc نجد ان المتحدث يستغرب كيف لبنطال ترتديه فتاة أن يتحول إلى أزمة كبيرة لدرجة تدخل السلطة الحاكمة وتعمل على نص قوانين لها، ويستغرب أكثر عندما يجد ان هنالك محاكم وقضاء وشرطة مختصين فقط في ذلك الزى. ويأتي عامل الدهشة من عدم وجود حالات مشابهة في دول أخرى فلماذا السودان؟!!
ولكن المدرك للازمة السودانية يعرف ان أزمة زى النساء في السودان هي أزمة حقيقية وليست مفتعلة وترجع إلى عمق الأسس الفكرية للسلطة الحاكمة وهي سلطة الحركة الإسلامية وما تحتويه من فكر وقيم تحاول زراعتها في الداخل السوداني. فجاء ذلك الفكر بزى تم تسميته بالزى الشرعي للنساء أي هو الزى المقبول لدي الإله وكما غيره من القيم الأخرى التي جاءت بها السلطة الحاكمة حاولت فرضه على الواقع السوداني من خلال الآلة الإعلامية بالإضافة إلى الآلة السلطوية المتمثلة في القوانين والمحاكم. وجعلت من ذلك الزى ليس معيار للبس الديني المقبول فقط ولكن أضافت إليه معيار الفضيلة والنقاء. فأصبح كل من لا يرتدي ذلك الزى هو خارج إطار تلك القيم.
وما لا يدركه ذلك الفكر ان الزى واحد من القيم التي يتم التحكم بها اجتماعيا من خلال تلبية موائمته للمجتمع والطبيعة، ولا وجود لمسمى الزى الشرعي أو الإلهي فكل مجتمع في أي مرحلة من مراحل تحولاته الاجتماعية ينتج زيه الاجتماعي الذي يلبي له الراحة النفسية تجاه المجتمع وتجاه الطبيعة. وكان المجتمع السوداني ما قبل استيلاء الحركة الإسلامية على السلطة يسير كما كل المجتمعات بوجود زى اجتماعي يمثل أغلبية المجتمع وكانت هنالك أزياء مخالفة، وتتم المعالجة اجتماعيا دون تدخل السلطة الحاكمة بحيث إذا وفر الزى تلك الراحة النفسية يتم قبوله ضمن الكل وإذا لم يوفر يتم تجاهله ورفضه اجتماعيا فتنتهي موضته. والاهم من ذلك ان المجتمع السوداني نشأ على رفض ربط الزى بالقيم كما في قصة فرح ود تكتوك “كل يا كمي قبل فمي”، فكانت دائما هنالك مسافة بين الزى وبين القيم الاجتماعية.
فما فعله فكر السلطة الحاكمة هو أولا إزاحة العلاقة الطبيعية بين الزى والمجتمع وحاول فرض زى مجتمعات أخرى على المجتمع السوداني وبالتالي افسد إمكانية التوافق الطبيعي التي كانت سائدة في المجتمع، وأصبح هنالك عدم وجود لما يمكن ان نسميه المعيار الاجتماعي للزى، وتحول إلى معيار سلطوي بسن القوانين والمحاكم. وكذلك ربط الزى محدد بالدين من خلال مفهوم الزى الشرعي أخرجه من مهمته الأساسية باعتباره ساتر للجسد أو ميزة جمالية أو عاكس لهوية اجتماعية إلى رمز ديني يحمل هوية دينية اجتماعية تمثل حد فاصل بين الأفراد داخل المجتمع الواحد. وكذلك دمجه مع قيم الفضيلة والنقاء جعله وحده يعبر عن قيم لها علاقة بالكثير من الأفكار والسلوكيات لا يشكل الزى جزء منها.
إذا تجاوزنا الفكر العربي الإسلامي وتساءلنا لماذا يلبس احدهم زى مخالف للذائقة الاجتماعية؟ أو عموما لماذا يأتي فرد بسلوك أو قيمة تخالف العرف الاجتماعي؟ ولكن قبل الإجابة يجب أن نلاحظ ان الحركة الإسلامية في السودان ومنذ استيلائها على السلطة عملت على إلغاء مفهوم العرف الاجتماعي من اجل زرع أفكارها. فإذا أردنا ان يكون هنالك حد ادني من الاتفاق فعلينا إعادة مفهوم العرف والاجتماعي، وكذلك العمل على اعادة إنتاج القيم من داخل المجتمع وليس استيرادها من الخارج حتى تكون قيم حقيقية تلبي ولو جزء من إنسانية الفرد والمجتمع.
ولكن عموما كل من يأتي بتلك الأفعال هو شخص باحث عن ذاته وعن قيم تلبي له إنسانيته. ففي ظل الانكماش وتحنيط القيم من جانب فكر الحركة الإسلامية الحاكمة في السودان، اوجد ذلك انكماش في القيم الثقافية والاجتماعية التي يحقق الفرد ذاته من خلالها. وكذلك محاولة التنميط القهري للمجتمع قاد إلى رد فعل عكسي بدا من الزى وامتد إلى مظاهر الخروج على كل ما تدعو له الحركة الإسلامية أو ما يسمي بالردة عن الدين.