محمد صالح محمد
في تلك الليلة لم يكن السوادُ مجرد لونٍ يغلف السماء بل كان عباءةً من الفقد تلتف حول عنقي. وقفتُ في المنتصف تماماً حيث تركنا آخر ضحكة لنا تتبخر في هواء الغياب البارد.
هناك جردتُ كبريائي من صمته ورفعتُ وجهي نحو المدى وناديتُ عليكِ بأعلى صوتٍ يملكه إنسانٌ كُسر قلبه للتو.
صوتي الذي بُحّ وهو يفتش عنكِ لم يرتدّ إليّ بصدى بل عاد مثقلاً بالخيبة. “أين أنتِ؟”
سؤالٌ كان يخرج من صدري كشظايا زجاج تجرح حنجرتي. كيف لهذا المكان الذي كان يضجّ بملامحكِ أن يصبح فجأةً قفراً وموحشاً؟ أين رحلتِ؟ ولماذا تركتِ المكان يشيخُ في غيبتكِ هكذا؟ كل زاوية كانت تخبئ همسةً منكِ صارت الآن تنبض بالوحدة وكل رصيفٍ مشينا عليه بات يسألني عن وقع خطاكِ الرقيقة.
استجوابُ السماء …
حين يئستُ من الأرض ومن وجوه المارة الذين لا يشبهونكِ رفعتُ عينيّ إلى الأعلى هناك حيث تتلألأ القناديل المعلقة في سقف الكون سألتُ عليكِ كل النجوم. نجمةً بنجمة مررتُ بخواطري عليهن
سألتُ الزهرة إن كانت قد رأت بريق عينيكِ يتسلل عبر الضباب.
ناشدتُ السهيل إن كان قد أرشد خُطاكِ إلى دربٍ بعيدٍ لا أعرفه.
عاتبتُ القمر الذي بدا شاحباً وكأنه يخبئ خلف وجهه البعيد سرّ رحيلكِ المفاجئ.
لكن النجوم ظلت صامتة تنظر إليّ ببرودٍ يضاعف صقيع روحي وكأنها تخبرني أن من يختار الرحيل بصمت لا تقتفي أثره حتى الأقمار.
وحشةُ الغياب …
لقد سألتُ الريح التي عبرت من هنا وسألتُ عطر الياسمين الذي كان يتبعكِ كظلك لكن لا أحد أجاب.
الغياب ليس مجرد مسافة الغياب هو أن يظل المكانُ كما هو وتظل النجومُ في مواقعها وأبقى أنا في ذات الزاوية لكنكِ أنتِ بكل عالمكِ تسقطين من حيز الوجود وتتركينني أنادي في فراغٍ لا ينتهي.
يا من تركتِ خلفكِ مكاناً لا يملؤه غيرك وقلباً لا يستجوبه سوى طيفك سأبقى هنا و صدى صوتي يتردد بين النجوم لعلّ يوماً ما تعيد لي السماء جواباً أو تعيد لي ريحاً تحمل بقايا عطركِ الضائع.
مع هذا الصمت الطويل أدركتُ يقيناً أن النداءات التي لا تُجاب لا تذهبُ سُدى بل تتحول إلى غصاتٍ تسكنُ الحناجر. لقد تعبتُ من ملاحقة السراب ومن استنطاق النجوم التي لا تملك لقلبي عزاءً.
المكان الذي هجرتِه لم يعد مكاناً بل أصبح ضريحاً لذكرى لن تموت وصوتي الذي بُحّ في فضاء غيابكِ استسلم أخيراً لهذا الفراغ الشاسع.
سأكفُّ عن السؤال ليس نسياناً بل لأنني علمتُ أن مَن أراد البقاء لم يكن ليتركني أسأل النجوم عن خُطاه وأن مَن اختار الغياب لا توقظه صرخات الحنين مهما علا بها الصوت ومهما بكت من أجلها السماء.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم