خاطرة في: الهروب إلى الداخل! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون
لم يبق عندي ما يبتزه الألم حسبي من الموحشات الهم والهرم
ولعل الصمت هو مطية المتأمل إلي ارتياد الفضاءات الفسيحة التي لا يملكها ولا يعكر صفوك فيها أحد. وإذ أنا غارق في ذاك التأمل، تأمل الهروب الثاني من عالم الزمن، وقفت علي تأمل بديع ل (ألدوس هكسيلي) أفاض فيه في محاضرة له عام ١٩٦١ مات بعدها بعامين يوم مات الرئيس الأمريكي الشاب جون كنيدي في الثالث من نوفمبر عام ١٩٦٣ فانشغل الناس عن موته بموت الرئيس المحبوب فلم يحفل بموته أحد. فسرني أن الذي أجد في نفسي ليس نوعاً من الجنون والاضطراب العقلي بل هو وسيلة تعين على التشبث بالحياة علي نسق آخر. وللتذكير بالمحاضر فهو مؤلف كتاب استيقظ من نوم عميق في السنوات الأخيرة هو ” عالم شجاع جديد ” ألفه عام ١٩٣٢مع كتاب آخر لجورج أرويل هو “العام ١٩٨٤” كتبه عام ١٩٤٨ حيث صدقت نبؤات الروايتين بشكل لافت للاهتمام. وقد سبق لي قبل نحو عام أن كتبت مقالة عن حوار جري عن أيهما أصدق نبوءة عنوانه ” سجال بين كتاب وكتاب!”. وموضوع المحاضرة التي هي بعض موضوع هذه المقالة أوجزه هكسيلي بالقول إنه: “ موضوع يبدو للوهلة الأولي شديد البساطة والوضوح ولكنه في الحقيقة شديد التعقيد. وهو علاقة الفرد بحركة التاريخ….”ولاستجلاء الغموض عما يهم بالخوض فيه، يأتي بمقاربة من عالم الفيزياء هي “النظرية الحركية أو الحركية الجزيئية-للغازات أو كاينتك ثيوري ” لتصور تلك العلاقة ، علاقة الغازات بالجزيئات المكونة لها. وقوانين الغازات متعلقة بالضغط والحرارة والكتلة وكلها مترابطة تعتمد علي بعضها البعض، لكن الجزيء الواحد لا كتلة له ولا ضغط ولا حرارة وكل الذي يفعله أنه يدور بلا انتظام وبصورة عشوائية بتأثير الغازات. والفرق جوهري بين عالم الغازات وعالم البشر بلا جدال لكن المقاربة تجعل الفرد في مقابل الجزيء الفيزيائي في عالم الغازات يدور كما تدور الجزيئات عشوائيا بفعل قوانين الغازات التي يقابلها في عالم البشر المجتمع. والمجتمع رغم كونه مكوناً من أحياء إلا أنه ليس بحي فهو لا يملك قوة الاستيعاب ولا التفكير ولا الارادة فهو مجرد منظمة تختلف تماما عن الاحياء الذين يكونونها. لكن مع ذلك يمكن التنبؤ بما يحدث للمجتمع الكبير العدد الذي يعيش لفترات طويلة من التأريخ بدقة كبيرة لكن يصعب ذلك بشأن الأفراد المكونين له. ومن أهم الفروقات بين الأفراد والمجتمع أنه يمكن التنبؤ بما قد يحدث للمجتمع كثير الأفراد خلال زمن ممتد بينما يصعب جدا التنبؤ بالنسبة للأفراد. ويضرب مثالا لذلك فيقول: إن شركات التأمين الكبرى معنية بالتنبؤ كما العراف أو العرافة . شركات التأمين تستطيع التنبؤ بأوضاع المجتمع، مثلا بأن الرجل في مجتمع معين يمكن أن يعيش في المتوسط حتي سن التاسعة والستين والمرأة حتي الثانية والسبعين مثلا لكن لا يمكن تطبيق ذلك علي الأفراد كأن تتنبأ بأن فلان ابن فلان أو فلانة سيتمتعان بذلك العمر فتلك نبوءة إحصائية تيسرت بسبب ضخامة عدد الأفراد ولمدة زمنية طويلة استندت علي دراسة مستويات المعيشة و السجلات الصحية وتوافر المشافي والاطلاع علي سجلات الموتى كذلك وبالتالي واستناداً علي ذلك التنبؤ، توضع سياسات وخطط الشركة بما يحقق لها الأرباح . والعرافون هم أيضاً يكسبون معاشهم من التنبؤ مثل شركات التأمين تماماً لكن العراف يتنبأ بمصائر الأفراد وما قد يقع لهم فيخطئ كثيراً ويصيب ولكنه لا يصبح مليونيراً أبداً بينما تحصد شركات التأمين إذا حسنت إدارتها وسياساتها الملايين! يقول ( لم نسمع بعراف أصبح مليونيراً كما لم نسمع بشركة تأمين أعلنت الإفلاس!). أي كتلة كبيرة العدد يمكن التنبؤ بمالاتها بنجاح. هناك إذن فرق كبير جداً بين القوانين التي تحكم المجتمعات كبيرة العدد وبين القوانين التي تحكم حياة الأفراد المكونين لها.
لا توجد تعليقات
