خطبة الخميس: الرسول محمد في الإيمان .. بقلم: خالد أحمد
28 مارس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
ان الحديث عن الرسول محمد يمثل الحديث عن كل الرسل باعتبار ان اختيار الله لهم يتم وفق معاني محددة لا تختلف من رسول إلى آخر، وأولها ان الرسول هو بشر مثل غيره يتمتع بكل الخصال البشرية في الوعي والإدراك والعاطفة وسلوكهم وقولهم يرجع إلى تلك الخصال أو القيم أي يرجع إلى جوهرهم البشري، وقد أشارت الرسالة إلى ذلك في كثير من المواضع حتى تضع الإنسانية تلك القيمة في معناها الحقيقي وعدم تحميل الرسول فوق طاقته ((قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)) الأعراف. (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) الكهف – (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) المؤمنون)).
اما ما يختلف فيه الرسول عن بقية مجتمعه ويتم اختياره على أساسه ليكون مبلغ للرسالة هو ان يكون من النخب الاجتماعية وهي التي ترى حياتها من خلال المجتمع وليس من خلال ذاتها، فتتميز تلك النخب بالانشغال بالهم المجتمعي باعتباره هم ذاتي ولا يوجد فاصل بين حياتهم الفردية وحياة مجتمعاتهم فهم يتأثرون على مستوى فردي بكل ما يحدث في المجتمع. ولذلك أشار الإرشاد إلى الرسل بأنهم أخ لكل المجتمع الذي يرسلون له (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) الأعراف)، ومدى تأثيرهم يمتد إلى خوفهم على المجتمع من مبدأ الهم الاجتماعي الذي تتميز به النخب الاجتماعية (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) الأعراف)، ولا تبحث تلك الرسل عن اجر فالأجر الحقيقي عند النخب الاجتماعية هو ادراكها انها قد ساهمت في إصلاح حياة الناس فالنخب الاجتماعية سعادتها معنوية وليست مادية أو فردية (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)) يونس). ولذلك عندما جاء وصف الرسول محمد ذكر الإرشاد الصفة التي يختار علي أساسها الرسل (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) التوبة).
وهنا يجب ان نذكر ان الله قد خرج عن ذلك المسار مرة واحدة في الرسل الذين اتوا بعد ادم وهو في خلق رسوله عيسي بن مريم، ويأتي السؤال لماذا ذلك الخروج عن العادة التي كانت سائدة في ان تأتي الرسالات إلى رسل بشر من داخل مجتمعاتهم، فلماذا اضطرت الإنسانية الله إلى ان يخلق إنسان بطريقة مخالفة للطبيعة الإنسانية ثم يأتيه بالرسالة؟ وكانت الإجابة الأقرب لنا هو انشغال اليهود طوال تاريخهم الذي نجده حتى في الرسالة المحمدية بقوميتهم وانكفائهم عليها جعل كل من يولد طبيعيا داخل المجتمع اليهودي لا يستطيع التفكير خارج إطار تلك الهوية وتاريخيها الذي تم تاطيره داخل قيم محددة أصبحت لا تلبي مراحل التحولات التي قطعتها المجتمعات اليهودية (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) آل عمران). وكذلك لا يستطيع أي فرد نتيجة لذلك التاريخ ان يرى المجتمعات الأخرى كمجتمعات إنسانية يمكن التفاعل معها، بالإضافة إلى ذلك تصحيح طريقة استيعاب الرسالات السابقة وما اعتراها من تحور وتغيير لتعبر عن ما تراه النخب وليس عما تريد ان توصله الرسالات. ولكل ذلك خلق الله إنسان وهو رسوله عيسي بن مريم ولكن بطريقة خاصة ليحاول توصيل الإرشاد الإلهي (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) آل عمران).
وكذلك حدد الله دور الرسول وعلاقته بالرسالة فهم مبلغين للإرشاد فقط (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) المائدة)، ولكن رغم ذلك ولان الله أكثر من يعرف الطبيعة الإنسانية وأكثر من يعرف طبيعة الرسل كنخب اجتماعية تخاف على مجتمعاتها وكانت تحبط كثيرا من عدم فائدة دعوتها كان الإرشاد يأتي معزيا الرسل ومشد لهممها (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) سورة ق – (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)) طه)، ولان من الممكن أيضا ان يقودها خوفها على المجتمع والسعي خلفه ان تتجاوز حتى الإرشاد لذلك لم يترك الرسل لوحدها ولكن استمر معها في معالجة أخطائها التي ترتبط بالرسالة، ومن تلك الأخطاء محاولة التماهي مع المجتمع والركون إليه عندما ادخل الرسول اللات والعرى كآلهة مع الله فأتي الإرشاد وأزال ما وضعه الرسول (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21)) النجم). وكذلك من ركونه للمجتمع وتركه للأعمى والذهاب إلى الملا الأعلى باعتبار ان ذلك أفيد للرسالة (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12)) عبس).
واهتم الإرشاد فقط بأخطاء الرسول داخل الرسالة، فحتى لا يضع نفسه باعتباره جزء من الإرشاد غاب الإرشاد عن الفترة الزمنية التي قطعها الرسول على قريش وجاء بعد فترة أطول بعبارة واضحة بان كل ما يخص الإرشاد فقل إنشاء الله ولا تفتي من نفسك (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) الكهف).اما أخطاءه كبشري فليست جزء من الإرشاد ولم يهتم بها ولكن أشار لها فقط ليدرك الجميع ان الرسل عبارة عن بشر تخطيء وتصيب (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)) الفتح).
فإذا كل أحاديث الرسول وأفعاله من غير الرسالة لا تعتبر جزء من الرسالة ولكن تعتبر جزء من حياته كانسان فقط، ويمكن الاستئناس بها فقط في الكيفية التي استفاد بها الرسول لعالج أزمات مجتمعه في ذلك التاريخ.
kh_ahmmed@hotmail.com
////////////////