ليس من قبيل المصادفة أن تسند قيادة الدولة ملف دارفور في هذه المرحلة العصبية من تاريخ السودان إلى شخص بقدرات د. غازي صلاح الدين عتبانى ، ليكون خلفا لدكتور نافع على نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني للشئون التنظيمية ، الذي تسلم هذا الملف بعد وفاة المغفور له بإذن الله الشهيد / د مجذوب الخليفة أحمد . ودون التقليل من قد أي منهم أو المزايدة على كسب هذا أو ذلك فجميعهم من قادة الإنقاذ وصفها الأول ومن حماة اللحمة الذين كانوا لصيقين بهذا الملف و كل منهم قد خدم قضية السلام في البلاد على نحو أو آخر من منظوره وقدراته حسبما توافر له من معطيات وظروف على ما لازم عملية السلام من تعقيدات وتحديات في مساراتها المتعددة وتقاطعاتها الكثر !؟ . فملف دارفور يعتبر إحدى العقبات الكبيرة التي تقف أمام حركة الدولة والمجتمع من حيث الأولويات إذا ما وضعنا اتفاقية نيفاشا على صدارة الهموم الوطنية والفترة التي تمر بها على ما حققته من نجاحات في مسيرة السلام لجهة وقف الحرب ونزيف الدم بين أبناء الوطن ، وما واجهته من أعاصير ومطبات وهى تتقدم تجاه مقاربة النهايات الكلية لها باستشراف نتائج التحكيم في أبيى وإجراء الانتخابات العامة والاستفتاء على مستقبل الجنوب من حيث الوحدة أو الانفصال !. وقضية دارفور وتداعياتها الحالية هي إحدى مظاهر وإفرازات حرب الجنوب في بعض جوانبها ، ولا يخفى التبني الخفي والمعلن لحركات دارفور المتمردة والدعم المباشر وانخراط الحركة الشعبية ومن يدعمونها خارجيا في تغذية الصراع في دارفور والاستفادة من تمدد حريقه واستمراره خدمة لأجندات خارجية واستحقاقات واجبة السداد على رموز الحركة !. بل بات واضحا عدم جدية حلفاء الحركة الشعبية وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من إيجاد حل للأزمة في دارفور من خلال حملات الإعاقة والترويج الهدمى الذي يمارسونه و المماحكات والمزايدات التي تعملها هذه الأطراف فيما تحدثه من تشويش وإرباك داخلي ونسفها لأي خطى للتقارب بين الحكومة وحركات دارفور فيما يدور من تفاوض أو توحيدها لها خدمة للعملية السلمية ووحدة مسار التفاوض على صعيد العلاقة مع تشاد ، على تعدد موائد المفاوضات وتنوع أماكنها ورعاتها بمنهج يهدف إلى استنزاف الدولة وإطالة أمد الحرب والمعاناة للتعجيل بنهاية حكم الإنقاذ إن تأتى ذلك أو انفراط عقد الأمن وتدهور الاستقرار حتى وان انتهى إلى تفكيك السودان وصوملته , أو أفغنته أو عرقنته على نحو ما تفعل هذه القوى الكبرى حاليا في تلك البلدان !؟ . استشرى الحريق في دارفور على أيدي هذه الحركات ومن يقفون وراءها منذ العام 2003 م ، لتضيف إليه العوامل المحلية والطبيعية والنزاعات القبلية حول محدودية الموارد وظروف المناخ ، يضاف إلى ذلك تفكك النسيج المجتمعي من خلال تعدد التنظيمات والحركات المسلحة وعدم قدرة النخب السياسية في دارفور لغياب وتراجع دور الإدارة الأهلية للاتفاق حول أهداف و مبادئ كلية تساعد في بلورة رؤى مشتركة لإعادة الحياة السياسية هناك إلى طبيعتها ، بل وعدم توفر الإرادة السياسية في السابق على مستوى الدولة وأجهزة الحكم لمخاطبة التنمية في دارفور وتعددت جبهات الدعم والرعاية للتمرد لتخرج القضية برمتها عن المسار الوطني لتحمل من بعد إلى أروقة الإقليم ومجلس الأمن لمهدد للسلم والأمن الدوليين حتى بلغت المحكمة الجنائية بهذه السرعة ، لتضع البلاد أمام تحديات جديدة ومواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات مع ما يسمى بالمجتمع الدولي عبر البوابة الإنسانية !؟. يأتي تكليف د غازي لإدارة هذه الملف وهو يدرك كل ذلك وما هو أبعد وسط هذه الخلفية غير المؤاتية والبلاد تعبر هذه المرحلة من تاريخها ، وهى تخاطب كما هائلا من التحديات الكبيرة والتركة المثقلة داخليا ، وتحيط بها عداوات مستحكمة وانسداد في أفق التحاور مع القوى الرئيسية الكبرى ( واشنطون – لندن – باريس ) التي دفعت بخططها وبرامجها لإعاقة خطى الدولة عبر آليات متعددة في الاستهداف لم تستثن المعارضة الداخلية فيما أنتجته من فتن ومناورات ، أو الحركات المسلحة بما أحدثته من خراب ودمار ليس على صعيد البني التحية والموارد وإنما أخطره ما تعلق بسمعة الوطن وتوجهه وهويته وسيادته ، أو الجوار الاقليمى على ما كان للسودان من دور طليعي مرورا بالمنابر الإقليمية والدولية بتدويل ممنهج يرمى لتعقيد مطلوبات الحل ومفاقمة الأزمات الداخلية عبر القرارات والعقوبات التي كانت سببا مباشرا في تعطيل مسيرة التنمية وحبس الجهود الوطنية المخلصة من الوصول إلى سلام شامل ومستدام فيما يحيط بنا من قضايا وجبهات لن يكون آخرها مقررات كنانة !؟ . فتعددت مسارات التفاوض وانتظمت جهود الدولة على كافة مستوياتها تنشد الحل وتنفتح على الإقليم والعالم والجوار بحثا عن نقاط للتلاقي تدفع بالجميع لعبور هذه المنحنيات وتجاوز عنق الزجاجة الذي وضعنا فيها من خلال التغول الدولي وسطوة الدول ولعبة المصالح ، ففهم ذلك ضعفا واستسلاما عند بعضهم وتوالت الضغوط على الدولة ، وتكاثفت التدخلات الخارجية فاتسع الفتق على الراتق ، واستأسدت الحركات واستعصم كل بارتباطاته وداعميه فكان أن تردى الوضع الأمني وازداد التوتر وترتبت على ذلك أوضاع إنسانية مأساوية وضحايا وجرى ولاجئين ونازحين ، فسيطرت هذه الوضعية على المشهد السياسي في دارفور ورسمت عن البلاد وقيادتها هذه الصورة الشوهاء فجاءت المحكمة الجنائية ودولها وأوكامبو لإكمال حلقات التآمر الحصار، وتباينت نظرة الدول التي تساير هذه المخططات ، وصور لبعضهم أن الإنقاذ تتقدم باتجاه حتفها ونهايتها ، ولكن ثقة القيادة بربها وتعاظم جهودها وإخلاص أبناء الوطن وأهل دارفور وتفهمهم لهذه التركة كان بعض الملاذ في إفشال مكرهم وتمكينهم من تحقيق أي من أهدافهم ومراميهم الماكرة .. هذه بعض ملامح الصورة التي أريد لها أن تكون مسيطرة عن الوضع في السودان وغازي يبدأ التعاطي مع هذا الملف الشائك ! وندرك أنه لا يملك عصا سحرية أو خوارق ولكنه يمتلك عزيمة دولة راسخة لها منهج وعقيدة وإرادة أمة تتوق للسلام والاستقرار وتعمل لأجله ورصيدها في ذلك ملاحم من البطولات والتضحيات وسليل من الشهداء من الأخيار الذين فدوا هذه الغاية … ودون الانتقاص أو التقليل من قدر إخوة غازي ممن عهد إليهم بهذا الملف وتفانوا في خدمته وقدموا في سبيله الكثير الذي كانت نتائجه مبهرة في عالم غير موضوعي ولا عقلاني أو محايد أن تكسرت عند صخرته الحصينة كل حلقات المكر والتآمر الخارجي دون أن تنال من الإنقاذ ورمزها ، إلا أن القدر يضع بين يديه هذه الأمانة على كبرها وتعقيداتها ليكتب تاريخا جديدا وصفحة ناصعة تكمل ما توافر لمجذوب الذي أحسن البلاء حتى أخر لحظة في عمره وهو يغادرالى ربه مرضيا عنه بإذن الله وفى قلبه حلم السلام والاستقرار لأمته ! . وغازي صنو مجذوب يعرف مدرسته وطريقته بحرصه الشديد وإبائه المتفرد وقدرته على الإبداع ومحاصرة الخصوم ، وهو يجيد فن التنافس في كل ضروب السياسة لا يعرف الهزيمة أو الاستسلام !؟ . وقد كان خلفه نافع المعروف بإخلاصه وصدق نيته في تأمين أكبر الكسب لوطنه دون مساومة أو تبديل في كل ما أتصل بأمنه ومطلوباته ، وهو الذي لا يعرف في حياته العامرة وعمره المديد بإذن الله غير السلام ودروبه الوعرة وجهاده المتصل ما ارتاح في حياته التي لا تعرف العطلات والراحة إلا في مرض أو حج ! وعركته السياسة وتعرفه الأحزاب وتهابه ، وهو يحسن التعاطي مع خصوم البلاد كانوا دولا أو حكومات ومنظمات وأشخاص ، ولكنه عزيز في نفسه حكيم في قوة وإصرار ، لا يقبل بالدنيئة ولا تحاصره المواقف ، أو يخيفه التهديد والوعيد الأجوف حتى بلغ بهذا الملف ما بلغه ليضيف إلى رصيد مجذوب وسفر الإنقاذ في مدرسة السلام وقضاياه ومعتركاته التي نأمل أن يكون أخر التطواف عند بوابة غازي وهو قمين بذلك حتى ترتاح البلاد من عنت التسفار ومشقة السير إلى نهاية ينتظرها الوطن وأهلنا في دارفور ، وهو معروف بتجرده وسيرته وسريرته التي نفاخر بها وندخرها ليوم كهذا ، فقد عرف عنه ورعه وزهده وتفانيه وهو عفيف اليد واللسان ، له رصيد وتاريخ ملؤه كسبه الاكاديمى المتميز وعصاميته التي تعمل الفكر وتحسن اختيار المبادئ والأهداف في سعة ويقين يضع البلاد بكل مصالحها وتركيبتها السياسية نصب عينيه دون إخلال بالمقاصد والغايات الكبرى التي من أجلها جاءت الإنقاذ ، وهو ليس بغريب عن السلام وملفاته وكسبه في قيادة المفاوضات أصيل يوم كان قائدا لفريق التفاوض مع قرنق وما وضعه من رؤى ومسارات للتاريخ الوطني وقضية السلام ، ومؤسسا وقائدا لمستشارية السلام ، وهو من وضع الاتفاق الاطارى لمشاكوس ليكون أساسا لنيفاشا لتقوم عليه بقية البروتوكولات والترتيبات اللاحقة !.. وقد كان مستشارا لرئيس الجمهورية للسلام ووزير دولة بالخارجية وقف عبر محطتها على ملفات عديدة وأسس بأدائه الراقي وعطائه الوفير لعلاقات ووشائج هذا يوم حوبتها ، وهو صاحب تشخيص ومبادرات يصنع الأفكار والحراك ويجيد انتقاء مواقفه وألفاظه وتصريحاته وينأى بنفسه عن الإثارة وهو قيادي من طراز خاص ، واكاديمى حصيف وصفوي تحكمه أخلاق رفيعة وتدين يلتزم المبادئ ، وطبيب مقتدر يعجبه إعمال التشخيص الدقيق وتحديد الترياق المناسب في تؤدة وروية والمرحلة تستوجب معايير دقيقة على منهج غازي الذي يحسن اختيار فريقه التفاوضي وأولوياته وبرامجه وآلياته ، تساعده في ذلك خبرته الواسعة وإدارته للملف مع أمريكا الذي تطاول أمده وظلاله تقف وراء كل التعقيدات في قضايانا مع الخارج ، والرجل له صولات مشهودة ومواقف حاضرة وأوراق ومساجلات رسمية وصحفية تضعنا في ثقة من أن هذا الملف قد أسند بعناية تناسب قدرات غازي وإمكاناته الذهنية واعتداده بنفسه وفكره الذي ينتمي وأمانة التكليف التي يقدرها حق قدرها، وفوق هذا وذاك ثقة قيادة الدولة في شخصه وإمكاناته الهائلة و الظرف الزمانى والمكاني الذي تهيأ له يظل عاملا مبشرا وواعدا رغم العتمة والغيوم الكثيفة لأن الربان غازي !. ولعل إلمامه القبلي بكل خيوط الأزمة وجولته الاستكشافية الحالية لمدن دارفور ومعسكرات النازحين للوقوف على حقيقة الأوضاع هناك ، ولقاءاته بفعاليات مجتمعها ونخبها وسائر طوائفها ، وما رسمه من مسارات أربعة كملامح للإستراتيجية القادمة للدولة في التداول والتعامل مع المشكل في دارفور ورؤى الحل بتركيزه على إنسانها كمحور اساسى وعودة الحياة إلى طبيعتها بتفكيك سلمى لبؤر النزوح ثم التزام التفاوض السلمي كمنهج أوحد فالعلاقة مع تشاد بأبعادها الخارجية والبعد الافريقى من خلال لجنة الحكماء تجعلنا نطمئن إلى سلامة المسيرة وقرب الحصاد ، لأن مدرسة غازي تحسن تحديد السقوف وقطع الآجال لبلوغ تسوية عادلة تضمن استدامة السلام بكل تشعباته وتعالج ما نجم من ثقوب طالت اتفاق الجنوب وتريد أن تبدد الآمال في دارفور ، ولكن عشقنا لغازي وتفاؤلنا بأن النجاح والتوفيق سيكون حليفه لا تحدها حدود ، فلمنحه الفرصة كاملة ونوفر له الدعم والإسناد في كل ما يلزم على كافة الصعد ، ولنؤيده بالدعاء أن يكمل المولى على يديه ما لم تصبه نوايا إخوته وجهدهم الثبور انه ولى ذلك والقادر عليه ،،،،
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم