دارفور: نزاع الجغرافيا والتاريخ او الكلاش البجيب الكاش البقلل النقاش .. بقلم: حسين التهامى

    
     فى مقال بالغ العذوبة رثى د. على عبد الساتر المحاضر بإحدى جامعات دولة البحرين صديقه . د مصطفى دفع الله وحمل عنوان:مصطفى دفع الله صحبي المُتمِم كيفي:(قضيت إجازة عـيد الأضحى في السودان….. كـنت مهموما بلا ســبب واضح ….كـنت أقــرأ “أم درمان تأتي في قـطار الـثامــنة”…. يرسم كمال الجزولي صورا عديدة …… استوقفتني
    
    
    يا إلـفي المحــزون ..
    
    
    كيف وَهِــمــتَ أن الشــمــسَ..
    
    
    تشــرق
    
    
    في الصــباح؟!
    
    
    لا شئ غــير بيارق الأكــفـان تخــفـق في ..
    
    
    الــرياح،
    
    
    نهـارٌ شــتوي أغــبـش ….. و نحن نمـوت في حـربٍ غـير متكافـئة ضـروس……أكـفاننا الفـضـفاضة تـخــفـق ….. .. بعد أسبوع من عـودتي إلى البحرين تلـقـيت خـبر وفاة مصطفى دفع الله و كنت و حيدا بالمنزل.. في عطله نهاية الأسبوع.. في مساء يوم شاتٍ حـزين…..نزلـت عـلينا موجة من البرد لم يشهدها الناس منذ عشرين عاما و نيف…..جـلســت أسمع عــويل الرياح تطرق بعنف على أبوابي الموصدة….شــعـرت بوحدة خانقـة…. كــنت أقرب الى البؤس و الضياع منه الى الحزن…. و دب في نفــسي خـدرٌ كاد يفـقـدني الإحـسـاس….. المســافـة التي تفـصل بين الحـقيقه و الخـيال تلاشــت فجـأة…… و بدأت أتلمس الأشياء.
    دخلنا جامعة الخرطوم في عام واحد و ستين من القرن العشرين.. جاء مصطفى من وادي سيدنا الثانوية….فركة كعب من حيث يرقــد شهداء كــرري، و جــئت من الفاشر الثانوية أسعى….. و كان في معـيتي بشـير حامد تيراب، و أحمد محمد بحر و محمد ابراهيم حـجر…..حـجر و بحـر و تيراب. أحد الطلاب قال لنا، لو كان معاكم سـلوكة كان بقـيتوا حـواشه. ).انتهى
    
    فى  مطلع الثمانينات كنت أعيش مع الاسرة فى أمدرمان عندما بدأت أسر دارفورية من النساء والأطفال على وجه الخصوص تطرق أبواب البيوت بحثا عن عمل خدما فى المنازل. كانوا يبدون غير منكسرين لكنهم مستسلمين لقدرهم . تلك كانت بداية مجاعة ١٩٤٨م بسبب القحط والجفاف الذى ضرب دارفور.
    تلك كانت طلائع هجرة داخلية ضخمة شملت سكان اقليم باكمله تبلغ مساحته خمس مساحة السودان  او  493.18 كيلومترا مربعا (ما يعادل مساحة اسبانيا او فرنسا على سبيل المقارنة).ويصل عدد سكانه حوالى ٧ مليون نسمة – كان يبلغ حوالى ١.٣ مليون عام ١٩٦٥م .
    وفاقت تلك الجائحة مجاعة سنة ١٩١٣م بمراحل وأدت الى انطلاق شرارة النزاعات بين الرعاة والمزارعين . وعلى الرغم من ان سكان الإقليم تعودوا قسوة الحياة وقويت لديهم نزعة البقاء مما أدى الى تقليل عدد الوفيات – هذا بالاضافة الى مساعدات اغاثة دولية غير مسبوقة فى المنطقة. غير  ان ذلك كان على حساب دفعت فاتورته لاحقا- إنهاك الغطاء الشعبى الى حد الاضمحلال وتناقص مقومات حياة قسم واسع من السكان الذين يعتمدون على الإبل او الأبقار او الماعز والاهم روح المشاركة والضيافة . باختصار اختفى الى الأبد وتهتك النسيج الاجتماعي الذى جمع مجموعات السكان بخيوط وان بدت غير

    مرئيّة لكنها كانت محسوسة الى حد لا يصدق.

    وفى اعتقادى ان دارفور  تمثل حالة نموذجية من النزاع المتصل بين الجغرافيا والتاريخ وهو نزاع ملتبس باستمرار فى معظم مناطق بلادنا لكنه أوضح مايكون فى حالة دارفور وتجلت تداعياته وإفرازاته السلبية هناك اكثر من اى بقعة اخرى. وللزغاوة  قول مأثور عن ان العالم ينتهى جنوبا.
    وازعم بخطل  وصفة الصراع بين الزرقة والعرب كما  شاع ولا انفيه اذ ان الاشتباكات الدموية وقعت ايضا بين مكونات تصنف بأنها عربية   والعكس صحيح . والاصح ايضا ان الحكومة الحالية فاقمت من حدة الصراع ليبلغ درجة الفناء بسبب من النظرة الخاطئة الى كيفية معالجته – وهى نظرة أمنية فى المقام الاول والأخير وعلى سبيل المقارنة مع حالة وان كانت غير متماثلة فى جنوب افريقا حيث كان الجيش هناك يملك القوة والقدرة الكافية لمواجهة السود وتكريس نظام الأبارتهيد او الفصل العنصرى لكنه بسبب احترافيته ولأنه منظم على نسق يتسق ودوره فلم يفعل ذلك وارتضى الحل السياسي لوضع سياسى. (كثيرا ما عرف إقليم دارفور صراعات بين الرعاة والمزارعين تغذيها الانتماءات القبلية لكل طرف، فالتركيبة القبلية والنزاع على الموارد الطبيعية الشحيحة كانت وراء أغلب النزاعات، وغالبا ما يتم احتواؤها وتسويتها من خلال النظم والأعراف القبلية السائدة. ويمثل إقليم دارفور نظرا لحدوده المفتوحة ولمساحته الشاسعة ولوجود قبائل عديدة لها امتدادات داخل دول أفريقية أخرى، منطقة صراع مستمر. وقد تأثرت المنطقة بالصراع التشادي-التشادي والصراع التشادي-الليبي حول شريط أوزو الحدودي، وبالصراعات الداخلية لأفريقيا الوسطى فراجت في إقليم دارفور تجارة السلاح، كما تفاعلت قبائل الإقليم مع تلك الأزمات. ويعتبر دارفور قاعدة تشاد الخلفية فجميع الانقلابات التي حدثت في هذا البلد الأفريقي تم تدبيرها من دارفور ما عدا أول انقلاب أطاح بفرانسوا تمبلباي الذي كان أول رئيس لتشاد بعد استقلالها عن فرنسا. فالإطاحة بالرئيس فيليكس مالوم أو غوكوني عويدي ونزاع حسن هبرى مع الرئيس الحالي إدريس ديبي ارتبط بإقليم دارفور الذي كان القاعدة الخلفية للصراعات التشادية الداخلية. ويشكل الإقليم نقطة تماس مع ما يعرف بالحزام الفرنكفوني (تشاد، النيجر، أفريقيا الوسطى، الكاميرون). انظر فى ذلك الى ويكيبيديا
    وفى كتابهما  الذى حمل عنوانا بالغ الإيحاء :دارفور : تاريخ قصير لحرب طويلة(Darfur : A short history of a long war)
    يقول اليكس  دى وال وجولى فلينت ،ان سلاح الكلاشنكوف لعب دورا مرعبا فى تفكيك شفرة المجتمع الدارفوري وإذ كان الولاء للقبيلة واحترام الذات والآخر والمسؤولية المجتمعية  فى معالجة جرائم القتل عن طريق الدية قد أدت الى احتواء مظاهر العنف فان القوة النارية المهولة التى أتاحها امتلاك الأسلحة الالية والثقيلة قد أدت الى نتائج مروعة مقارنة بنوعية الأسلحة فى أزمان سابقة ( بلغ سعر ثمن قطعة الكلاش او الكلاشنكوف ما يعادل ٤٠ دولارا أمريكيا عام ١٩٩٠م وتحولت الى السلاح المفضل لجماعات النهب وشاعت فى فترة ما مقولة ان الكلاش بجيب الكاش الذى يقلل النقاش ). وقد صرح د . تجانى السيسى موءخرا ان  مبالغ ديات القتل فى دارفور تكفى لتمويل رصف كل الطرق بالإقليم . وأشكر للأستاذين صديق محمد عثمان ومصطفى عبد العزيز البطل (وأشير ايضا الى مداخلة الاستاذ احمد كمال الدين فى ذات المقام وحول نفس الموضوع  ) ابتدارهما لنقاش  سيكون مفيدا بالتأكيد حول  الوضع فى دارفور ،فما احوجنا الى النقاش اليوم اكثر من اى وقت مضى.

حسين التهامى
كويكرتاون ، الولايات المتحدة الامريكية

husselto@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً