دارفور: نزيف مستمر وحركات بلا حياء .. بقلم: محمد الفكي
17 أبريل, 2021
المزيد من المقالات
31 زيارة
هناك عدد غير قليل من الناس ممن لا تزال تُفاجئهم أحداث العنف الدموية في دارفور، تلك التي تتناقلها وسائل الإعلام و منصات ما تعرف بـ”وسائل التواصل الإجتماعي” من وقت لآخر الأحداث التي وقعت مؤخراً بالجنينة دار أندوكا حاضرة ولاية غرب دارفور و التي فقد فيها أكثر من مائة شخص حياتهم، بالإضافة إلى الاشكال الاخرى من الخراب و التلف الذي لحق بالممتلكات و الحياة بصفة عامة!
ففي حقيقة الأمر، فإن شلالات الدماء لم تتوقف للحظة في دارفور منذ إنفجارها الكبير خلال ثمانينيات القرن الماضي و تحولها النوعي بعد دخول “الكلاشنكوف” و الاسلحة الفتاكة الأخرى و قد تزامن ذلك مع موجة المجاعة التي ضربت الساحل الأفريقي من ناحية، و عدم الإستقرار السياسي و المجتمعي الإقليمى خاصة في الجارتين تشاد و أفريقيا الوسطى، من الناحية الأخري. و لعل فشل الحكومة (ات) المركزية في إدراك حجم العنف و تحوله النوعي و من ثم عدم إتخاذ إجراءات لازمة من شأنها حماية المواطنين، من ناحية، و إدارة التنوع بحكمة و معرفة، من الناحية الأخرى، وهي السياسية التي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، هو أحد الأسباب الأساسية التي أدت إلى إنفراط الأوضاع الأمنية وتفاقمها في إقليم دارفور. فالموت المجاني في ذلك الإقليم أصبح أحد الشخصيات (أو قُل البنيات) الرئيسية و الأساسية واليومية و المملّة أيضاً!
غياب الإرادة السياسية الرشيدة و الحقيقية لتدارك أسباب الصراعات المحلية و التصدي لها وتوفير الحماية و الأمن للمواطنين العزل دفع بالأهالي إلى محاولة إيجاد بدائل حماية ذاتية للحفاظ على أرواحها و ممتلكاتها و كان هذا بمثابة المدخل لولادة حركات دارفور و لعل كيان شباب ال”وارانغ” كان قد مثّل الطليعة العضوية التي اضطلعت بمهام حماية الأرض والعرض خلال ثمانينيات القرن الماضي، و لم يكونوا طلاب سلطة من أي نوع! و إنطلاقاً من نفس الموقع بررت حركات دارفور اللاحقة و التي ظهرت نواتها الاولى خلال تسعينيات القرن الماضي مع اشتداد التوتر المجتمعي والصراع القائم على الأنثنة و العرقنة، بررت شرعيتها على حمل السلاح و لكن ليس للحماية وحدها و لكن أيضاَ لأخذ “الحقوق” من المركز المهيمن و المتجاهل للأوضاع المزرية والمتردية بالاقليم، أو هكذا كانت لا تزال تردد.
إذن ماذا حققت هذه الحركات على أرض الواقع من أهداف و غايات؟
للأسف لم تفشل هذه الحركات المسلحة فقط في تحقيق أي من أهدافها “المعلنة” و لكنها أيضاً ساهمت في تفاقم الاوضاع المزرية و المتدهورة للأهالي بالإقليم و ذلك لأنها _أي هذه الحركات_ جاءت إلى الوجود وهي تحمل جرثومة فنائها و تقزمها في ذاتها و المُتمثلة في “آيديولوجية/ سردية القبلية الضيقة” من ناحية، و التضحية بكل شيئ نبيل من أجل القيادة أو الزعامة، من الناحية الاخرى.
لقد ظهر هذا جليّاً إبان مؤتمر حسكنيتة خلال 2005 عندما انقسمت حركة تحرير السودان إلى قيادتين وهو الإنقسام الذي لم يكن باعثه اختلاف ف في الرؤئ أو الحساسية السياسية أو المجتمعية حول الأزمة في دارفور و لكنه فقط كان بسبب سيطرة نزوة القيادة و الزعامة لدى من رمت بهم شروط التاريخ و مصادفاتها الغامضة على قيادة الحركة آنئذ. ولعل الأدهى والأمر هو أن هذا الإنقسام لم يجد سنداً ينهض عليه غير سردية القبيلة و تحديداً “فور” و “زغاوة”.
نقول، كان لازاماً على حركات دارفور و قد إختارت حمل السلاح و علامات الموت الأخرى في الصراع من أجل قضايا الإقليم (و الطبع ما يترتب على ذلك من مسئوليات أخلاقية و إنسانية جبارة)، كان لزاماً عليها الإنخراط المُضني و المُمل في إنتاج سردية وخطاب جديدين ينهضان على الوعي الذي يرى إلى أن واقع تهميش الإقليم إنما يُلقي بظلاله على الكل بدون تمييز مؤنثن أو مُعرقن و أنه على هدى مثل هذا الوعي وحده كان من الممكن حماية “النسيج المجتمعي” و تكوين جسد مجتمعي قادر على الدفاع عن حقوق و رد مظالم الإقليم التاريخية و لكن للأسف إختارت الحركات إتباع أقصر الطرق للإستقطاب السياسي الرخيص و هو أيضاً اقصر الطرق إلى موتها! و كانت النتيجة أن تشظى مجتمع دارفور إلى سرديات قبلية و كيانات أخرى تقاتل بعضها البعض بعد أن نسيت أو تناست عدوها المتحكر في المركز و الذي لم يكتف بالتجاهل و حسب و لكنه عمد إلى تمرير أجندته الساعية إلى تمزيق السودان و شعوبه و إلهائهم بقتل بعضهم البعض، فسعى إلى تشجيع فصيل ضد الأخر و تقديم الدعم المادي واللوجستي له وهي ذات السياسة التي أدت، في آخر الامر، إلى إنتاج “مسخ” في صورة حميدتي و مملكة آل دقلو!
لم تفشل حركات دارفور المسلحة في تقديم أي شكل من أشكال الحماية للمواطن الأعزل و الذي شُرد من أرضه و عرضه و اُنتهكت كرامته و حسب و لكنها أيضاً أصبحت هي الذريعة الهينة التي كان نظام الموت يستخدمها لتمرير سياسة الارض المحروقة و التصفية العرقية و الجهوية وما تبع ذلك من إنتهاكات يُشيب لها الوجدان.
و لقد شربت الحركات من نفس كأس تمزيق المجتمع إلى كتل قبلية متقاتلة فها هي نفسها تنقسم و تتشظى بصورة سرطانية إلى جماعات و جماعات متحاربة كثيراً ما تحمل صراعاتها إلى وسائل الإعلام في صورة بيانات مضحكة و مؤلمة في ذات الوقت حيث يقول هذا الفصيل بفصل هذا أو ذاك عن قيادة هذه الحركة أو تلك، و يا لها من ملهاة عبثية! و مع تمزقها و تذريرها سهُلت هزائمها و تشتتها أو ارتمائها في أحضان نظام الموت عبر اتفاقيات سلام عبثية ( على سبيل المثال ابوجا 2005) و كل ذلك بسبب الإفتقار إلى رؤية سديدة عن ماهية القضية وكيفية التجهيز لها و الدفاع عنها!
وفشل الحركات كان أيضاً بسبب ابتعادها و ‘انسلاخها عن هموم و قضايا المواطنين البسيطة و العادية. و ليس أدل على ذلك من أنه حتى في الوقت القريب ففي حينما كانت قيادات هذه الحركات “المُتطلعة” تتفاوض مع الصفوة المتمكنة في المركز في جوبا، كان الأهالي في قرى و بوادي دارفور ينتظمون في إعتصامات حضارية تطالب فيها بحقوقها من الأمن والسلام. لقد فضحت هذه الاعتصامات الحضارية ملهاة سلام جوبا والذي اتضح أن الغاية منه هو تقسيم “كعكة” السلطة و لاشيئ غير ذلك. و يتضح هذا جليّاً أيضاً في أنه بدلاً من أن تذهب هذه الحركات بعد عودتها “غير المقدسة” التي حدثت بسبب الثورة الشبابية السلمية، إلى الإقليم و توفير حماية رمزية عبر جيوشها المزعومة للمواطن الذي كانت هي أحد الأسباب الإضافية في معاناته، قررت ان “تحرن” في دار صباح لا لشيء إلا لأنها لا تملك شيئاً تقدمه لمواطن ومواطنة الإقليم المكلوم. فهذه حركات بلا حياء أو إستحياء!
دريج 17/4/2021
—