رؤيا .. عبد الحفيظ مريود
22 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
41 زيارة
maryood@gmail.com
تكهُّنات
لم تضعِ الحربُ أوزارها، بعد، حين قام علىّ دينار بالتوجّه غرباً، إلى دارفور ليستعيدَ مجدَ آبائه، الذين حكموا دارفور وكردفان وبلغ سلطانُهم حتّى ودّاي في تشاد، وحتّى نهر عطبرة وأمدرمان الحاليّة، في زمن السلطان تيراب، وهو أعظمُ سلاطين الفور. كان على دينار يأمُلُ أنْ يطول استقلالُ دولته عن الحكم الإنجليزيّ، وذلك ما دفعه لإقامة علاقات خارجيّة لا تأبه بما يشتهيه الإنجليز. لكنّه – في المستوى البعيد – لم يستفِدْ من إعدادات المسرح السّودانيّ ولم يسبِرْ غور ميراث الخليفة عبد الله التعايشيّ. وتقول الرّوايات جميعاً إنّ عبد القادر ود حبوبة، الثائر المعروف، كان يخاطبه – سرّاً – أملاً في تأمين طريقٍ آمنٍ يستطيعُ عبره الانضمام إلى على دينار للتنسيق والإعداد للمقاومة، قبلَ أنْ يشِي به المقرّبون من أهله وعشيرته ويسلّمونه للسلطات الإنجليزيّة.
التأريخ يقول إنّ السلطان تيراب كان قد هزم العبدلاب شرَّ هزيمة، في أكثر من موقعة، وأخذ نحاسهم، وأقام معسكراً كبيراً في أمدرمان الحاليّة، وظلّ يُجمّعُ الجيوش ويدرّبهم ريثما يسير إلى سنّار ويحتلها ويوحّد السّودان تحت حكم الفور. فالشّمال كان قد دان له بعد هزائم العبدلاب، حكّام الشمال كلّه. وتواريخ مدينة أمدرمان تقول إنّ المباني الأكبر كانت قد شُيَّدتْ في زمن السلطان تيراب، أثناء إقامته، وبفضل وجوده تحوّلت من قرية صغيرة إلى بلدة عامرة. لكنّ المرضَ باغته قبل أنْ يأخذَ عدّته الكاملة لنزال سنّار، فآثر أنْ يعود إلى دارفور مستشفياً، ويعود لإنجاز خطّته، ولم يكن يدري بأنّ منيّته ستأتيه في بارا عاصمة كردفان التي كان عليها المقدوم مسلّم حاكماً عن سلطان الفور.
ذلك كلّه لم يكن ليمرّ هكذا.
ولم تبردْ حزازاتُ أنفس المغلوبين – بعدُ – لا سيّما وأنّ تيراب كان قد ركز أعلامه فيما بعد نهر عطبرة، وفي الفتيحاب بأمدرمان، لم تبردْ – قلتُ – حتّى مرّتْ حكومة الخليفة التعايشيّ، بعد أكثر من نصف قرن، وهي حكومة خشنة قليلاً، بسبب ظروفها، فأعادت سيرة السلطان تيراب وخططه المقدامة وشدّة بأسه. ولم يكن من وقتٍ يكفي لإطفاء حزازاتِ الغيظ التي يذرها واحدٌ من أقوى حكّام دارفور، هو السّلطان تيراب. ولعلّ ذلك هو منشأُ غياب سيرة تيراب من تأريخنا الحديث، المدرسيّ وغير المدرسيِّ، حتّى صار غُفلاً من الذكر. ولعلّه غيابٌ ممنهج.
لم تلحق دارفور بالدّولة السّودانيّة التي أرساها الإنجليز إلاّ بعد 16 عاماً، عقب القضاء على علي دينار. وفي مسيرةِ القضاء عليه ومعاركه قصص كثيرة وطويلة، لم يحِنْ أوان الكشف عنها. لكنّ هذا “التخلّف” عن ركب التعليم والمدنيّة – إنْ جاز الزّعم بوجود مدنيّة – صادف هوىً قديماً في الأنفس المحزوزة، والصّدور الموغرة، من لدن فعلاتِ السلطان تيراب. فتمّ استثمار هذا التخلّف إلى أقصى حدٍّ ممكن، حتّى صار التفنّنُ فيه من الإبداعات المشكورة. يرزحُ تحت إصرها رهطٌ من المنتسبين إلى الغرب.
تعملُ المعادلات غير المرئية على إلقاء مزيدٍ من الزّيت على النّار، والمزيد من العشب اليابس. وحين يتحدّثُ شخصٌ مثل الطيّب مصطفى لازماً بائعات الشاي، مستعدياً السلطات التي كانت قد ضيّقتْ عليهن، مورداً فرية بيعهنّ الحبوب والمخدّرات، لمزيدٍ من التخويف لازم الفائدة، فهو إنّما يجري في ذات جريَ قبيله بإبقاء الأوضاع على ما هي عليه. فنشرُ المدارس وإذكاء روح التعليم ستعمل – تدريجيّاً – على خسارة المورد المطلوب من الجنود والشرطة وغسّاليْ السيّارات الفارهة والبنّائين وأصحاب المهن الهامشيّة التي لا تتقوّمُ “حياتنا” إلاّ بوجودهم في أماكنهم المحدّدة. ولو تجاوزت النساء القادمات من الهوامش هذه، ذلّ الترمّل، الطلاق، الرّجال الفارين في الحروب سواء كانوا حركاتٍ مسلّحة أو جيش سودانيّ، وعمدن إلى إيجاد طرُقٍ يعلّمن بها أولادهن وبناتهن، في محاولة اللحاق بـ”المدنيّة” والتعليم والتنافس على أساس الكفاءة، ببيع الشاي وغيره، فإنّ على الآلة التي تُريدُ تأبيد الوضع أنْ تكافح ذلك بشتّى السُّبل، وبكلّ ما أوتيتْ من قوّة وحِيَل.
لم يَعُدْ خافياً أنّ الفقر صناعة، التهميش صناعة، الترمّل واليتم والطبقة الاجتماعية كلّها صناعات رائجة في بلادنا. لكنّ وجوه الحملان تطالعك آسفة على الظروف التي جعلتك يتيماً فقيراً، تغسل السيّارات الفارهة أو تتعلّق على سطح عربة لاندكروزر “تاتشر” تخوض حروباً لا تفقه فيها شيئاً، حروباً لا تخصُّكَ، ولكنّها هي حياتك وكلُّ ما تملك.
نشر فى صحيفة الاخبار
anassira@msn.com
////////////////////